مباينتها للمعقول. فالذي أوصي به ثلاثة أمور:
أحدها: أن لا يطمع في الاطلاع على جميع ذلك، وإلى هذا الغرض كنت أسوق الكلام، فإن ذلك في غير مطمع، وليتل قوله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} ولا ينبغي أن يستبعد استتار بعض هذه الأمور على أكبر العلماء فضلًا عن المتوسطين. وليعلم أن العالم الذي يدّعي الاطلاع على مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع ذلك فدعواه لقصور عقله لا لوفوره.
والوصية الثانية: أن لا يكذَّب برهان العقل أصلًا، فإن العقل لا يكذب، ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع. فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب، والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع؟.
وإذا لم يكن بد من تصديق العقل لم يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله، ونفي الصورة. وإذا قيل لك:"إن الأعمال توزن"علمت أن الأعمال عرض لا يوزن فلا بد من تأويل. وإذ سمعت"أن الموت يؤتى به في صورة كبش أملح فيذبح"علمت أنه مؤول، إذ الموت عرض لا يؤتى به، إذ الإتيان انتقال ولا يجوز على العرض. ولا يكون له صورة كصورة كبش أملح، إذ الأعراض لا تنقلب أجسامًا. ولا يذبح الموت، إذ الذبح فصل الرقبة عن البدن، والموت ما له رقبة ولا بدن، فإنه عرض أو عدم عند من يرى أنه عدم الحياة. فإذن لا بد من التأويل] [1] .
4 -القانون عند ابن العربي المالكي [2] :
قال في كتابه"قانون التأويل": [ولا يصح أن يأتي في الشرع ما يضاد العقل فإنه الذي يشهد بصحة الشرع ويزكيه من وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول فكيف يأتي الشاهد بتكذيب المزكي؟ هذا محال عقلًا وعلى هذا الأصل انبنت مسائل الدَّوْر[3] أما إنه قد تأتي آيات متشابهات وأحاديث مشكلات يعارض بعضها بعضا ويناقض بعضها دليل الشرع، وهاهنا علم عقلي يستضاء به في هذه السرية، ودليل شرعي يرشد في هذه المضلة.
إن العقل والشرع إذا تعارضا فإنما ذلك في الظاهر لتقصير الناظر وقد يظهر للناظر المقصر أن يجعل الشرع
(1) - مجموعة رسائل الغزالي (7/ 121) وما بعدها. وهومطبوع أيضًا برسالة مستقلة باسم قانون التأويل.
(2) - محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، أبوبكر ابن العربي: قاض، من حفاظ الحديث. ولد في إشبيلية، ورحل إلىَ المشرق، وبرع في الأدب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين. وصنف كتبًا في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ. وولي قضاء إشبيلية، ومات بقرب فاس، ودفن بها. قال ابن بَشكُوال: ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها. من كتبه:"العواصم من القواصم ـ ط"جزآن، و"عارضة الأحوذي في شرح الترمذي ـ ط"و"أحكام القرآن ـ ط"مجلدان، و"القبس في شرح موطأ ابن أنس ـ خ"و"الناسخ والمنسوخ ـ خ"و"المسالك علىَ موطأ مالك ـ خ"، و"الإنصاف في مسائل الخلاف"عشرون مجلدًا، و"أعيان الأعيان"و"المحصول"في أصول الفقه، و"كتاب المتكلمين"و"قانون التأويل ـ خ"جزآن منه، في التفسير. وهوغير محيي الدين ابن عربي،.
(3) - الدور: هوتوقف الشيء على ما يتوقف عليه.