فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 392

بل ذهب إلى أبعد من هذا فقال: [إني أشك، فأنا أستطيع الشك في كل شيء ما خلا شكي، ولما كان الشك تفكيرًا فأنا أفكر، ولما كان التفكير وجودًا فأنا موجود] [1] .

[وبهذا المذهب أحدث ديكارت انقلابا خطيرًا في عالم الفكر، فأولًا قد غير نظر العقل لطبيعته. كان القدماء يعتقدون أن العقل يدرك الوجود، فأصبح العقل منعزلا في نفسه وأخذ الفلاسفة بعده بهذه التصويرية، فأنكروا العالم الخارجي، ولم يكن ديكارت قد آمن به إلا بمخالفته للمبدأ التصويري، ولم يؤمن به إلا هزيلًا ضئيلًا، وأنكروا العلة فاعلية وغائية، وأنكروا الجوهر والنفس والله] [2] .

[وغير ديكارت معنى الوضوح والمعقولية، فأصبح العقل المنعزل في ذاته القانون الأكبر والأوحد لا يسلم شيئا إلا أن يعلم أنه حق، أي إلا أن يعقله هو، ويركِّبه بأفكار واضحة هي في الواقع أفكار سهلة فإن استعصى عليه شيء أنكره ... فكان ديكارت أول من حرر العقل من سلطان الوجود، وأعلن أن الفكر يكفي نفسه بنفسه، ولا يخضع لشيء سواه، فقلب الوضع الطبيعي الذي يجعل العقل الإنساني تابعا للوجود ومحتاجا إلى التعلم من السلف، وأقام الفردية على أساس فلسفي بعد أن كانت مجرد عصيان وتمرد، تلك الفردية التي تحمل الشخص على أن يظن نفسه أهلًا للحكم على الأشياء بنفسه، كأن ليس هناك عقول غير عقله فتورث الفوضى العقلية وعلى أن يجعل من نفسه مركزا تدور حوله الأسرة والمجتمع فتورث الفوضى الخلقية والاجتماعية، وقد كان العصر يضطرب بهذه الفردية التي تنفرد من كل سلطان في العلم والفلسفة والدين] [3] .

أما أمانويل كنط [4] فيخرج بنتيجة [وهي أنه يستحيل إقامة دليل عقلي على وجود الله، فيصدقه كثيرون ويتناقلون انتقاداته على علاتها] [5] .

وكنط يعترف بضرورة موجود ضروري أو ما يسميه الفلاسفة واجب الوجود، ولكنه لا يقر بأن واجب الوجود هو الله [فيعترض كنت بأن الموجود الضروري ليس حتما الموجود الكامل أو الله، بل قد يكون المادة أو العالم] [6] .

وعندما يدعو كنط إلى الأخلاق فهو يدعو إلى [الدين القائم على الأخلاق القائمة على العقل] [7] .

أما أوجست كونت [8] فقد خطا خطوة أوسع فبلغ إلى الدين [إنه ينعت دينه بالواقعي، والحقيقة إن هذا الدين

(1) - تاريخ الفلسفة الحديث ص 64.

(2) - تاريخ الفلسفة الحديث، يوسف كرم ص 83.

(3) - تاريخ الفلسفة الحديث، يوسف كرم ص 83 - 84.

(4) - إمانويل كنط: (1724 - 1804 م) ولد كنط في كونجسبرغ في ألمانيا، ودرس الدراسات العليا في جامعاتها، له رسائل منها: صورة ومبادئ العالم المحسوس والمعقول، وكتاب: نقد العقل الخالص النظري، وتأسيس ميتافيزيقيا الأخلاق، ونقد العقل العملي، ونقد الحكم، والدين في حدود العقل الخالص.

واعتبر العقل هوالمشرع، وأنه لا يوجد أي دليل عقلي مقبول على وجود الله.

(5) - تاريخ الفلسفة الحديث، يوسف كرم ص 234.

(6) - المصدر السابق ص 234.

(7) - المصدر السابق ص 246.

(8) -أوجست كونت: (1798 - 1857 م) ولد بمونبلي، وقد فقد الإيمان منذ الرابعة عشرة وكان تلميذًا متفوقًا في الرياضيات فالتحق بمدرسة الهندسة بباريس، كان متأثرا بسان سيمون، وحاول أن يؤسس دينًا إنسانيًا قائمًا على العقل، أهم كتبه: دروس في الفلسفة الواقعية، ومقال في الروح الواقعي، ومذهب في السياسة الواقعية.

أحب امرأة غير زوجته واتخذ منها مثال الإنسانية، وأما كتابه الذي وضع فيه اسس ديانتة الإنسانية فهو"علم الاجتماع"واختصره بكتاب"التعليم الديني الواقعي".

[مختصرا من تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم ص 304

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت