ثم يقول مقرّرا إمكانية الوحي المستمر وعدم انقطاع النبوة: [كيف يعقل خلاف هذا وهو الذي حدث فعلا في كل أمة وفي جميع أدوار التاريخ فلم تخلو الأرض قط من داع إلى الحق والفضائل معلنا أنه أرسل لأداء هذه المهمة إرسالا فتراه يعرض نفسه للموت في سبيل تعميم دعوته ويصبر على البأساء والضراء متبعا سمت الصالحين في الزهد في الدنيا والتواضع وإيثار الفقر حتى ينجح فيما تصدى له أو يقتل في سبيله] [1] .
3)إنكار المعجزات:
يقول رشيد رضا عن المعجزات أنها: [أصبحت في هذا العصر حجة على دينهم لا له وصارت للعلماء والعقلاء عنه لا مقنعة به ولولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد بها موسى وعيسى عليهما السلام لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر واهتداؤهم به أعم وأكثر لأن أساسه قد بين على العقل والعلم ... وأما تلك العجائب الكونية فهي مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها وفي صحتها وفي دلالتها وأمثال هذه الأمور تقع من أناس كثيرين في كل زمان والمنقول منها من صوفية الهنود أكثر ... وهي منفرات العلماء عن الدين في هذا العصر] [2] .
ولا نريد أن نستطرد كثيرًا فهؤلاء مثل محمد عبده ورشيد رضا والشيخ المراغي والشيخ شلتوت وفريد وجدي وعبد العزيز جاويش ومن لف لفهم أنكروا الجن والملائكة والشياطين والمعجزات ونزول عيسى - عليه السلام -، ومنهم من أنكر البعث بعد الموت والدجال وطلوع الشمس من مغربها، وأحلّوا الربا؛ بل بلغ بهم المقام أكثر من هذا، فهذا محمد عبده يقول: [وجود شيء في القرآن لا يقتضي صحته] [3] .
وقال رشيد رضا: [إن أحاديث الدجال مشكلة من وجوه، أحدها منافاتها لحكمة إنذار القرآن للناس بقرب قيام الساعة وإثباتها بغتة] [4] .
وقال الشيخ المراغي شيخ الأزهر: [إن العقول تنظر إلى الأديان نظرها إلى شيء تاريخي خال عن الحياة] [5] .
وقال: [إن من نظر في كتب الشريعة الأصلية بعين البصر والحذق يجد أنه من غير المعقول أن تضع قانونا أو كتابا أو مبدأ في القرن الثاني من الهجرة ثم يجيء بعد ذلك فيطبق هذا القانون في 1354 هـ] [6] .
ثم أوجز فريد وجدي رئيس تحرير مجلة نور الإسلام الصادرة عن الأزهر هذا الأمر فقال: [ولد العلم الحديث وما زال يجاهد القوى التي كانت تساوره فتغلب عليها ودالت الدولة إليه في الأرض فنظر نظرة في الأديان وسرى عليها أسلوبه فقذف بها جملة إلى عالم الميثولوجيا -"الأساطير"- ثم أخذ يبحث في اشتقاق بعضها عن بعض واتصال أساطيرها بعضها ببعض فجعل من ذلك مجموعة تقرأ لا لتقدس تقديسا، ولكن ليعرف الباحثون منها الصورة الذهنية التي كان يستعبد لها الإنسان نفسه ويقف على صيانتها جهوده غير
(1) - الإسلام دين الهداية والإصلاح لفريد وجدي، ص / 15.
(2) - تفسير المنار: (11/ 155) .
(3) - موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين لشيخ الإسلام مصطفى صبري (1/ 143) .
(4) - تفسير المنار: (9/ 450) .
(5) - موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين، 1/ 31.
(6) - الأهرام 28/ 2 / 1936. عن موقف العقل والعلم 1/ 32.