هَلْ أَسْمَعْتُ [1] .
وهؤلاء الضالون المضللون عمدوا إلى الاسم الممدوح شرعًا وهو العقل فألصقوا به باطلهم، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [2] .
وقال الله تعالى: {وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ منْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [3] .
وقد ذكر القرآن أكثر من أربعين آية يمدح بها الذين يعقلون ويذم الذين لا يعقلون. ولكن هؤلاء الذين لا يعقلون سرقوا اسم العقل وألصقوا به أفعالهم وأقوالهم المذمومة وهي اتباع الهوى، واتباع الهوى مذموم. قال الله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [4] .
كما ذكر القرآن أكثر من أربعين آية يذم فيها الهوى، فألصقوا هذا المعنى المذموم بالاسم الممدوح، وجاؤوا للمعنى الممدوح وهو اتباع كلام الله - جل جلاله - وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسمَّوه بغير اسمه، وربما لا يعني لمن سمعه شيئًا وهو (النقل، اللفظ، السمع) ، وفروا من قول الحقيقة وهي (تقديم أهوائهم ووسوسات نفوسهم وشياطينهم على كلام الله - جل جلاله - وكلام ... رسوله - صلى الله عليه وسلم -) .
وهذا هو مسلك إبليس في تغيير الأسماء والمسميات، وهو الذي ساعد على انتشار هذا الكفر والضلال. وهو طريق شقه إبليس فسلكه أعوانه وجيشه ووسعوه وعبَّدوه.
ففي كل عصور ومراحل الانحراف والجاهلية في التاريخ يُسلَك طريق اللعب بالأسماء والمسميات، وتضلل الأمم والشعوب من خلال العبث بها، فيقوم معسكر الجاهلية بتحريف الأسماء عن مسمياتها، فيسمون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام سحرة ومجانين ... وما إلى ذلك، ويسمون الكتب المنزلة من الله أساطير اكتتبها، قال تعالى ... {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا} [5] . ويسمون سبيل الضلال بسبيل الرشاد، {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [6] . وهكذا. وكان من مهمات الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن مهمات المصلحين ردُّ الأسماء إلى مسمياتها، وإلحاق المسميات بأسمائها، وتصحيح الخطأ فيها، وكان أول شيء علمه الله تعالى ... لآدم - عليه السلام - أن علمه الأسماء كلها. {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [7] . وذلك لتستقيم الحياة وينتفى التضليل. ولما جادل قوم هود هودًا - عليه السلام - بأسماء مخترعة لمعان مخترعة؛ قال الله واصفا جواب هود: قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ منْ
(1) - رواه الدارمي برقم (433) .
(2) - سورة البقرة: 242.
(3) - سورة الرعد: 4.
(4) - سورة الأنعام: 119.
(5) - سورة الفرقان: 5.
(6) - سورة غافر: 29.
(7) - سورة البقرة: 31.