فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 392

بعقل الصفات المشتركة والمختصة والله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة فأما الحدود المتكلفة فليس فيها فائدة لا في العقل ولا في الحس ولا في السمع إلا ما هو كالأسماء مع التطويل أو ما هو كالتمييز كسائر الصفات ولهذا لما رأوا ذلك جعلوا الحد نوعين نوعا بحسب الاسم وهو بيان ما يدخل فيه ونوعا بحسب الصفة أو الحقيقة أو المسمى] [1] .

وقال: [فالجهمية من المتفلسفة والمعتزلة وغيرهم يبنون على هذا وقد يسمون أنفسهم الموحدين ويجعلون نفي الصفات داخلا في مسمى التوحيد ومبني ذلك على أصل واحد وهو أنهم سموا أقوالهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان إن هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم وجعلوا مسمى الأسماء الواردة في الكتاب والسنة أشياء أخر ابتدعوها هم فألحدوا في أسماء الله وآياته وحرفوا الكلم عن مواضعه وقد ذكر تلبيسهم وتمويههم وإلحادهم أئمة السلف والخلف] [2] .

وقال ابن القيم: [والتحقيق في هذا الباب أنه لا ينظر إلى الألفاظ المحدثة بل ينظر إلى ما جاء به الكتاب والسنة من الأسماء والمعاني] [3] .

بل إن هذه الظاهرة كانت منتشرة في الأمم القديمة، ولقد لخص الشيخ محمد أبو زهرة آراء كونفوشيوس وآراء سقراط في هذا الموضوع فقال:

[جاء كونفوشيوس محاولا إصلاح ذلك المجتمع بغير لوتس، وبغير مذهبه. وآراؤه في الأخلاق تتجه إلى ثلاث نواح: الأولى: في بيان الأصل الخلقي الذي تقوم عليه الفضائل، والثانية: إصلاح المجتمع وحمله على السلوك القديم، والثالثة: إصلاح نظام الحكم وتقييده بالفضيلة لا يعدوها.

أما الناحية الأولى فهي قوام فلسفته وهي الجزء النظري منها، وقد ابتدأ نظراته الفلسفية بنظرية تعيين المعنى واللفظ، وتعيين الأسماء والمسميات، وهي النظرية التي ابتدأ بها أيضا سقراط من بعد كونفوشيوس، وذلك لما تشابهت فيه أحوال العصرين اللذين عاش فيهما الفيلسوفان، فكونفوشيوس جاء في وسط اضطراب خلقي، وتلاعب في نظم الحكم، وعبث بمصالح الدولة واللعب بالألفاظ لتوهين الأخلاق، فكان لا بد من العمل على تعيين المعاني الدالة على الألفاظ ليثبت المعنى مستقيما لكي لا يمكن التلاعب به وإفساد الاستدلال من طريق ذلك التلاعب، وكذلك سقراط وجد السفسطائيين قد اتخذوا من اللعب بالألفاظ طريقا لحل أخلاق الشباب الأثيني، وإفساد اعتقاده والعبث بكل ما هو فاضل لديه، ولذا كان أول ما دعا إليه سقراط تعيين المعاني الدالة عليها الألفاظ حتى لا يتخذ المفسدون من بريق اللفظ ما يفسد الاستدلال والتفكير.

دعا كونفوشيوس إلى العناية بمعاني الأسماء والألفاظ الدالة على المسميات، وألحف في تلك الدعوة ليقطع على المضللين سبيل التضليل، ويفتح الباب ليستقيم طريق المعرفة من غير تمويه، ولذا جاء في كتاب الحوار لكونفوشيوس أن أحد تلاميذه سأله (بأي شيء يبتدأ سياسته إن تولى حكم الإمارة؟) فقال: (لا بد من تصحيح الأسماء) فدهش التلميذ من هذا الجواب ووقع من نفسه موضع العجب.

(1) - المصدر السابق، (9/ 59) .

(2) - بيان تلبيس الجهمية (1/ 463) .

(3) - عدة الصابرين (1/ 151) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت