الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم عروة من عرى الإسلام. والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر. والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيهًا مرشدًا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرِّعون للأمة ما لم يأذن به الله ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره، فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد ونفخة في رماد كما يقولون.
قد يكون مفهوما أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاءً لأوامر الله وتنفيذًا لأحكامه، وإيصالًا لآياته وأحاديث نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأما الحال كما نرى: التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذي لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف.
هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا، ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف. وعلى هذا فالأخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة، والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.] [1]
40 -قال عبد القادر عودة: [ومن الأمثلة على الكفر بالامتناع في عصرنا الحاضر الامتناع عن الحكم بالشريعة الإسلامية وتطبيق القوانين الوضعية بدلًا منها والأصل في الإسلام أن الحكم بما أنزل الله واجب وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم ونصوص القرآن صريحة وقاطعة في هذه المسألة] [2] .
وقال: [حكم القوانين المخالفة للقرآن والسنة: والأصل في ذلك أن الأوامر والنواهي لم تجئ عبثًا وأن الله أنزل كتابه وأرسل رسله للناس ليطيعوه ويعملوا بما جاء به فمن عمل بما جاء به الرسول فعمله صحيح لأنه وافق أمر الشارع ومن خالف فقد بطل عمله لمخالفته أمر الشارع والله تعالى يقول: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} ويقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ويقول: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ... إن الله أمر باتباع الشريعة الإسلامية ونهى عن اتباع ما يخالفها فلم يجعل لمسلم أن يتخذ من غير شريعة الله قانونًا وجعل كل ما يخرج على نصوص الشريعة أو مبادئها العامة أو روحها التشريعية محرمًا تحريمًا قاطعًا على المسلمين بنص القرآن الصريح حيث قسم الله الأمر إلى قسمين لا ثالث لها إما الاستجابة لله وللرسول واتباع ما جاء به الرسول وإما اتباع الهوى فكل ما لم يأت به الرسول فهو الهوى بنص القرآن وذلك قوله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه} .
كذلك قسم الله طريق الحكم بين الناس إلى طريقين لا ثالث لهما، أولهما الحق وهو الوحي الذي أنزل على رسله، وثانيهما الهوى وهو كل ما يخالف الوحي حيث قال جل شأنه ثم جعلناك على شريعة من الأمر
(1) - مجموعة رسائل الإمام الشهيد، رسالة المؤتمر الخامس ص\168 - 171
(2) - التشريع الجنائي في الإسلام (2/ 708 - 709) .