شؤونهم له الخلق والأمر سبحانه وتعالى فلا يكون الخلق له والأمر لغيره، وإن الذين يفصلون بين الدين والسياسة يموهون على الجهلة بما ليس في الإسلام في شيء فمن الباطل والظلم أن يحذر من تديين السياسة أو تسييس الدين كما يقولون إذ لا تستقيم أمور العباد إلا إذا اتجهوا إلى الله سبحانه في كل شيء واستمدوا الأحكام من وحيه الذي أنزله على رسوله وخضعوا له خضوعًا كاملًا في أمور دينهم ودنياهم وساسوا عباده بشريعته في الداخل والخارج فذلك مقتضى عبوديتهم له وبراءتهم من عبودية ما سواه] [1] .
وقال: في مقال ثم طبع في رسالة باسم وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.
[فصل: إذا علم أن التحاكم إلى شرع الله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فإن التحاكم إلى الطواغيت، والرؤساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله عز وجل، وهو كفر وظلم وفسق، يقول الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ويقول { ... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} ويقول: { ... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}
-ثم ساق أدلة كثيرة وفصل تفصيلًا وافيًا يراجعه من أحب إلى أن قال: -
ومما تقدم يتبين لك أيها المسلم، أن تحكيم شرع الله، والتحاكم إليه مما أوجبه الله ورسوله، وأنه مقتضى العبودية لله، والشهادة بالرسالة لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأن الإعراض عن ذلك أو شيء منه؛ موجب لعذاب الله وعقابه، وهذا الأمر سواء بالنسبة لما تعامل به الدول رعيتها، أو ما ينبغي أن تدين به جماعة المسلمين في كل مكان وزمان، وفي حال الاختلاف والتنازع الخاص والعام، سواء كان بين دولة وأخرى، أو بين جماعة وجماعة أو بين مسلم وآخر، الحكم في ذلك كله سواء، فالله سبحانه له الخلق والأمر، وهو أحكم الحاكمين، ولا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس وآراءهم خير من حكم الله ورسوله، أو تماثلها وتشابهها، أو تركها وأحل محلها الأحكام الوضعية، والأنظمة البشرية، وإن كان معتقدًا أن أحكام الله خير وأكمل وأعدل .. ] [2] .
54 -وسئل ابن عثيمين: هل هناك فرق بين المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله وبين المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًّا؟
[الفتوى: نعم هناك فرق فإن المسائل التي تعتبر تشريعًا ممّا لا يتأتى فيها التقسيم السابق وإنما هي من القسم الأول فقط، لأن هذا المشرع تشريعًا يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد كما سبقت الإشارة إليه.
والحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يستبدل هذا الحكم بحكم الله تعالى بحيث يكون عالمًا بحكم الله ولكنه يرى أن الحكم المخالف له أولى وأنفع للعباد من حكم الله أو أنه مساوٍ لحكم الله أو أن العدول عن حكم الله إليه جائز فيجعله القانون الذي يجب التحاكم إليه فمثل هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة لأن فاعله لم يرض بالله ربًّا ولا بمحمد رسولًا ولا بالإسلام دينًا وعليه ينطبق قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ آلله حُكْمًا لِّقَوْمٍ
(1) - مقال حكم فصل الدين عن الدولة- مجلة المجتمع- العدد 454 بتاريخ 21/ 8/1979.
(2) - مجلة المجتمع - العدد 580 - المجلد 24، ص / 26 - 28.