الحكم يشمل كل من حكم بغير ما أنزل الله فالحكم ليس خاصا بالتوراة والإنجيل وحدهما والمسألة لا تحتاج إلى دلائل أخرى فهل نزلت التوراة والإنجيل من عند الله فكان حكم نقضهما هو الكفر ونزل القرآن من عند غير الله ومن ثم فنقضه ليس بكفر!!؟
إن القضية لم تكن حكما في مسألة خاصة باليهود أو النصارى بل هي قضية وحدة التشريع السماوي وضرورة التزام حكم الله على مر العصور.
ب. وإذا صدقنا الزعم بأن هذه الآيات خاصة باليهود والنصارى وأن القرآن لم يشمله هذا الحكم فإن الله الذي حكم بكفر ما خالف حكم التوراة والإنجيل قال عن القرآن والسنة النبوية {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} .
ج. والله هو الذي يأمرنا بعدم التفرقة بين الرسالات والرسل إذ يقول {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} كما قال تعالى: {قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} والآيات حكمها يشمل التشريعات وآخرها القرآن.
فالله لم يجعل حكمه قاصرا على عصر أو كتاب فقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} .... - ثم قال: - وأما الكفر الأكبر فهو خمسة أنواع: كفر تكذيب وكفر استكبار وإباء وكفر إعراض وكفر شك وكفر نفاق، فهذه الأسباب تجعل الحاكم بغير حكم الله مرتدا] [1] .
ثم قال: [فحكم من حكم بغير ما أنزل الله هو الظاهر في الآية 44 من سورة المائدة، ولا يغير من ذلك أن يصف الله هذا العمل مرة ثانية بالظلم وثالثة بالفسق لأنه باستقراء ألفاظ الكفر والفسق والظلم في القرآن الكريم نجدها ترد أحيانا بمعنى الكفر، إذ الظلم والفسق مراد به أمر واحد وهو الخروج عن أمر الله أي الكفر كما هو ظاهر الآية] [2] .
70 -أيوب الصادق: قال في كتابه نظرات في عقائد الجاهلية المعاصرة:
[لقد تقرر في محكمات الشريعة وبدهياتها الأولى أن الله سبحانه له الخلق والأمر كما قال تعالى {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} والأمر في لغة الشارع يرد بمعنيين:
الأول: الأمر الكوني، وهو الذي يدبر به شؤون المخلوقات وبه يقول كن فيكون.
الثاني: الأمر الشرعي، وهو الذي يفصل به الحلال والحرام والنهي وسائر التكاليف، ولا يخفى أن المتأمل في تاريخ الجاهلية قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لا يجد أنه قد سجل لنا مقولات أحد من البشر ادعى أنه يملك الأمر الكوني وأنه خالق مع الله في مملكته ولكن سجل لنا مقولات بعض الطواغيت والجبابرة والأحبار والرهبان الذين نازعوا الله سبحانه في الأمر الشرعي وادعوا لأنفسهم الحق في الأمر والنهي
(1) - الحكم وقضية تكفير المسلم، ص/ 124 - 126.
(2) - المرجع السابق، ص/ 126.