ويقول جوبتير: [إن الآلهة يعيشون بعيدًا عن العوالم ولا يهتمون إلا بشؤونهم، فلا تعنيهم أمورنا، إنهم يعيشون حكماء سعداء ويعظوننا بهذا المثال الذي يجب أن نسير على منواله كمثل عليا يقتدى بها، غير أنه يجب علينا أن لا نشغل أنفسنا بما يريدونه منا] [1] .
وعندما جاء المسيح عليه السلام، وأوذي وأوذي أتباعه من بعده من اليهود والرومان، وكانت الإمبراطورية الرومانية تترنح من الفساد، والإمبراطور قسطنطين مهدد من المعارضة، اعتنق النصرانية سنة 325 م ليكسب تأييد المسيحيين له، وهم فرحوا بهذا ليرفع عنهم الاضطهاد، وكان زواجًا بين الوثنية والنصرانية كانت القيادة فيه والقوامة للوثنية، فتلونت المسيحية باللون الوثني الجديد وبرزت مقولة"أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وقُرِّرت رسميًا بعد مجمع نِيقيَة، وقُسمت الحياة إلى اتجاهين: الأول ديني من اختصاص الله، وتقتصر صلاحياته على نظام الإكليروس والرهبنة وتشريعات الزواج والدفن، والآخر دنيوي لقيصر وقانونه، ويشمل التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والعلاقات الدولية ونظام الحياة.
هذه القسمة جعلت قيصرَ شريكًا لله - تعالى الله عما يفعل المشركون - بل جعلوا قيصرَ هو الفائز الأكبر، ونسبوا للمسيح (مملكتي ليست هذا العالم) واستمرّ الأمر على هذا الحال. وعندما تتدخل السلطة الدينية بشأن دنيوي يكون الهدف منه تحقيق رغبة القيصر أو الملوك عبر وسيلة دينية، كما حصل في الحروب الصليبية وما شابهها.
ثم نما اتجاه في الغرب يريد إزاحة الدين عن المساحة الضئيلة التي يحتلها من ساحة الحياة، والمقتصرة على عقود الزواج والدفن وما شابه ذلك، وكان الذي نمَّى هذا الاتجاه ميكافيلي في كتابه (الأمير) و (مطارحات مكيافيلي) الذي دعا فيهما إلى فصل السياسة عن الدين والأخلاق، وأن الغاية تبرر الوسيلة، وإحلال هذه القاعدة محل القواعد الدينية والأخلاقية. ثم برزت مدارس فكرية لتحقيق هذه الغاية منها:
1.المدرسة العلمية: وأبرز الأمثلة عليها الكتّاب الموسوعيون الذين كتبوا دائرة المعارف بزعامة (ديدرو) [2] وكانوا كما يقول ويلز:"يناصبون الأديان عداوة عمياء".
2.المدرسة الاجتماعية السياسية: ويرأس هذا الاتجاه (جان جاك روسو) ، صاحب كتاب العقد الاجتماعي الذي أطلق عليه اسم: (إنجيل الثورة) أي الثورة الفرنسية، و (مونتسكيو) صاحب كتاب (روح القوانين) .
(1) - المشكلة الأخلاقية والفلاسفة كرسون، ص / 67. وانظر العلمانية للدكتور سفر الحوالي، ص / 55.
(2) - ديدرو: (1713 - 1784 م) ولد عام 1713، وبدأ حياته العملية بالترجمة عن الإنجليزية ونشر خواطر فلسفية أعرب فيها عن آراء مخالفة للدين، ونشر كتبًا أخرى تدعوإلى الإلحادية المادية الزاعمة أن المادة حية بذاتها، وفي عام 1746 طلب إليه مدير إحدى المكتبات أن يترجم موسوعة في العلوم والفنون كانت ظهرت بإنجلترا سنة 1728 فرأى هوأن يصدر موسوعة على غرارها، وأشرك معه دالامبير وجمعا حولهما فولتير وروسووأخرجوا المجلد الأول سنة 1751 مفتتحا بمقدمة بقلم دالامبير في أصل العلوم وتصنيفها وعدم فائدة المذاهب الميتافيزيقية والدينية واكتملت الموسوعة في سبعة عشر مجلدا عام 1772 فكانت هذه الموسوعة بؤرة الزندقة والإلحاد. هلك عام 1784.
[مختصرا عن تاريخ الفلسفة الحديثة، د. يوسف كرم، ص 183]