فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 392

أبعد ما تكون عن الأديان، وحكومة ديموقراطية برلمانية كما هي في أوروبا وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها مثل حكومة هارون الرشيد والمأمون، إنني كلما ازددت خبرة وتجربة وثقافة توضحت أمامي أغراضي.

يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلتحق بأوروبا، فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له وشعوري بأنه غريب عني وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها زاد شعوري بأنها مني وأنا منها، وهذا هو مذهبي الذي أعمل له طوال حياتي سرًا وجهرًا، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب] [1] .

ثم يهاجم اللغة العربية فيقول: [إن اصطناع العامية لغة أدب. والكتابة بالحروف اللاتينية تضمنا إلى مجموعة الأمم المتمدنة وتكسبنا عقلية المتمدنين، فالمتعمق في اللغة الفصحى يشرب روح العرب ويعجب بأبطال بغداد فنظره متجه أبدًا نحو الشرق وثقافته كلها عربية شرقية مع أننا في كثير من الأحيان نحتاج إلى الاتجاه نحو الغرب، والثقافة تفرز الذوق والنزعة وليس من مصلحة الأمة المصرية أن ينزع شبابها نحو الشرق، إن العربية تراث لغوي يحمل عقيدة اجتماعية يجب أن نحاربها، فالعربية ليست لغة الديموقراطية والأتومبيل والتلفزيون، بل لغة القرآن وتقاليد العرب] [2] .

وبعد كل هذا يرى عمارة أن الخلاف مع هؤلاء ليس في أصل الإيمان والتدين إنما في المشروع الحضاري!!

وليس غريبًا صدور هذا الكلام عن المفكر محمد عمارة، لأن له مفهومًا وتعريفًا للإيمان غير تعاريف المسلمين أهل السنة والجماعة منهم، أو أهل البدع؛ بل حتى الفرق الباطنية أو الضالة؛ بل جاء بشيء لم يسبقه إليه أحد. فهو يرى مثلًا جان جاك روسو وغيره هم من المؤمنين فيقول:

[لقد أعادت الثورة العلمانية الكنيسة إلى حدودها الأولى خلاص الروح ومملكة السماء وجعل ما لقيصر لقيصر من دون الله وجعل العقل والتجربة دون الدين واللاهوت المرجع في تدبير شئون العمران الإنساني أي عزل السماء عن الأرض انطلاقًا من فلسفة أن العالم مكتف بذاته تدبره الأسباب المخلوقة في ظواهره وقواه وطبيعته دونما حاجة إلى رعاية إلهية أو تدبير شرعي نازل مما وراء الطبيعة والعالم، فالعلمانية هي جعل المرجعية في تدبير العالم إنسانية خالصة ومن داخل العالم دونما تدخل من شريعة سماوية أو وحي من الله المفارق لهذا العالم.

ولقد عرفت العلمانية الأوروبية غير التيار المادي الملحد تيارًا مؤمنًا بالله استطاع فلاسفته من أمثال هوبز (1588 - 1679) ولوك (1632 - 1716) وليبنيز (1646 - 1716) وروسو (1712 - 1778) وليسنج (1729 - 1871) التوفيق بين الإيمان بوجود إله خالق للعالم وبين العلمانية التي ترى العالم مكتفيًا بذاته فتحصر تدبير الاجتماع البشري في سلطة البشر المتحررة من شريعة الله] [3] .

ثم يذكر الفئة الأخيرة من العلمانية وهي الأصل والأساس والغالبية المطلقة من العلمانيين فيقول:

[ج - دعاة فصل الدين عن الدولة من العلمانيين الوطنيين والقوميين من المفكرين والساسة والأحزاب الذين انبهروا بنهضة الغرب عندما قارنوها بتخلف النموذج العثماني ... وهذا الفصيل من فصائل الحركة العلمانية هو

(1) - سلامة موسى - اليوم والغد - والنص منقول عن كتاب محمد عمارة، ص / 90 - 91.

(2) - سلامة موسى - البلاغة العصرية واللغة العربية - نقلًا عن كتاب محمد عمارة، ص / 92 - 93.

(3) - معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام - محمد عمارة، ص / 24 - 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت