فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 392

الأكثر نفوذًا والأوسع انتشارًا وعلى الإسلاميين أن يميزوا بينه وبين الفصيلين الأولين مهما بدت الحدة والفجاجة والاستفزاز في مقولات مفكريه ... ومثقفيه] [1] .

وهنا يتساءل المرء هل أصبحنا فعلًا بحاجة إلى تذكير المجددينات أو المفكرينات من أمثال محمد عمارة بما تعنيه كلمات الإسلام والإيمان والعقيدة والدين والاجتهاد والعلمانية؟ حقًا إنه لا بد من إصلاح الأسماء والمسميات أولًا.

وكيف يستسيغ هذا المفكر وصف من يرفض الخيار الإسلامي، ويصر على إبعاد الإسلام عن المجتمع والاقتصاد والسياسة والتعليم والحياة كلها، ويريدها نصرانية (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر) كيف يستسيغ أن يسمي هؤلاء مسلمين، ويصور الخلاف معهم في دائرة الخطأ والصواب، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر، وكنا قد بيَّنا في أول الكتاب أن العلمانية هي - اللادينية - أي هي رفض الدين كعقيدة شاملة للحياة، وإحلال الفلسفة الأوربية ومنهج أوروبا بدلًا عن الدين كعقيدة ومنهج للحياة.

إن محمد عمارة لا يجهل أن العلمانية هي تأليه للبشر، تأليه للإنسان، تأليه للعقل أي للهوى، وإحلاله محل الله عز وجل. وبعد هذا يسميها مؤمنة والخلاف ضمن دائرة الاجتهاد.

فها هو يقول عن العلمانية:

[هكذا نشأت العلمانية، في سياق التنوير الوضعي الغربي، لتمثل عزلًا للسماء عن الأرض، وتحرير الاجتماع البشري من ضوابط وحدود الشريعة الإلهية، وحصرًا لمرجعية تدبير العالم في الإنسان، باعتباره"السيد"في تدبير عالمه ودنياه، فهي ثمرة عقلانية التنوير الوضعي، الذي أحل العقل والتجربة محل الله والدين، وهي قد أقامت مع الدين - في تدبير العالم - قطيعة معرفية وبعبارة واحد من دعاة التنوير الغربي (فلم يعد الإنسان يخضع إلا لعقله في أيديولوجيا التنوير التي أقامت القطيعة الأبستمولوجية(المعرفية) الكبرى التي تفصل بين عصرين من الروح البشرية عصر الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الأكويني وعصر الموسوعة لفلاسفة التنوير فراح الأمل بمملكة الله ينزاح لكي يخلي المكان لتقدم عصر العقل وهيمنته وراح نظام النعمة الإلهية ينمحي ويتلاشى أمام نظام الطبيعة وأصبح حكم الله خاضعًا لحكم الوعي البشري الذي يطلق الحكم الأخير باسم الحرية. إنها عزل السماء عن الأرض، والدين عن الدنيا، وإحلال الإنسان - في تدبير العمران البشري - محل الله] [2] .

ولا يحسبن أحد أن هذا يعني أن محمد عمارة تراجع عن رأيه الأول الذي يذكر فيه أن الخلاف بين الإسلاميين والعلمانية هو خلاف في دائرة الخطأ والصواب والاجتهاد، وأنه ليس في الأصول. فكلامه الذي ذكر فيه أن العلمانية تعني [إحلال الإنسان في تدبير العمران البشري محل الله] قاله في كتابه (معركة المصطلحات) [3] ، بينما قوله: [إن الخلاف بين الإسلاميين وأغلب العلمانيين هو خلاف في المشروع الحضاري أي حول الدولة الإسلامية وليس حول العقيدة الإسلامية ومن ثم فإنه خلاف في الفروع ولذلك فإن معايير الحديث فيه والحكم على فرقائه ومقولاتهم إنما تكون بمصطلحات الصواب والخطأ والنفع والضرر وليس بمعايير الإيمان والكفر والهداية والضلال]

(1) - أزمة الفكر الإسلامي الحديث ص / 71 - 72.

(2) - معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، ص / 26.

(3) - وهوصادر عن دار نهضة مصر للطباعة بتاريخ مارس 1997، وإيداع الكتاب عام 1996 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت