وشرعًا: قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن"ميز: الميز والتمييز الفصل".
وقال تعالى: {حتى يميز الخبيث من الطيب} أي حتى يفصل بينهم، وقال تعالى: ... {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} أي انفصلوا عن الناس وابتعدوا، وفي الحديث الذي رواه أحمد بسنده عَنْ أبي عُبَيْدَةَ - رضي الله عنه - ... قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: {مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاضِلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبِسَبْعِمِائَةٍ، وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ أَوْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ مَازَ أَذًى فَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا، وَمَنِ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِبَلاءٍ فِي جَسَدِهِ فَهُوَ لَهُ ... حِطَّةٌ} [1] .
وروى أيضًا بسنده عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: {إِذَا مُيِّزَ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ فَدَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ... } [2] .
فتمييز الدين عن الدولة أقوى في التعبير من الفصل إذ إنه يعني شدة الفصل وتأكيده. ويصرُّ محمد عمارة على هذا المعنى ومحاولة إدخال المسلمين بعلمانيته - كفره - فيقول:
[المجتمع العلماني كما تحدد في فكر أوروبا العلمانية وفي تطبيقات هذا الفكر له سمات وقسمات ... وتتلخص في النفعية أي إعلاء مقام المصلحة ... ، إن الإسلام أيضًا يقدم في شؤون المجتمع المصلحة على النص ويرى أن الشريعة مقاصد وغايات وأن القاعدة الشهيرة تقول (ما رآه الناس حسنا فهو عند الله حسن) والسمة الثانية أن المجتمع العلماني يساند التغيير ويدعو إلى التجديد ويدعمه والإسلام كذلك يؤمن بقانون التطور والتجديد وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها) رواه أبو داود وقول عمر في التربية لا تقفوا بتعليم أولادكم عند علومكم فإنهم قد خلقوا لزمان غير زمانكم.
والسمة الثالثة أن المجتمع العلماني لا يهتم بخوارق الطبيعة وأن الإسلام انحاز للعقل بشكل واضح وأن العقل هو الحاكم حتى في إطار النصوص الدينية.
والسمة الرابعة أن المجتمع العلماني ينبذ النزعات التقليدية والمحافظة وأن الإسلام ينبذ النزعات التي تضر مصلحة الأمة ويؤيد ما هو إيجابي ويفيد التقدم منها] [3] .
فنلاحظ أن محمد عمارة هنا يريد أن يهوِّن المشكلة، ويقول للإسلاميين: إن الإسلام يهدف إلى ما تهدف إليه العلمانية، وبينهما كثير من العوامل المشتركة والمنطلقات النظرية الواحدة، ويلتقيان في كثير من الأهداف والوسائل. فلماذا الخصام مع العلمانية؟ ونحن لا نريد فصل الدين عن الدولة؛ بل نريد التمييز بينهما، ثم يضيف: [هذا الموقف الوسط هو الذي نسميه (التمييز) وليس الفصل أو الوحدة بين الدين والدولة فالتمييز هو المصطلح الأصح والأدق للتعبير عن هذه العلاقة بينهما] [4] .
(1) - رواه أحمد برقم (1692) .
(2) - رواه أحمد برقم (14082) .
(3) - الإسلام والعروبة والعلمانية - محمد عمارة، ص / 59 - 60.
(4) - المصدر السابق 65 - 66