فالتمييز الذي هو أنكى من الفصل هو ما يطالب به عمارة لترتيب العلاقة بين الدين والدولة، لا الفصل ولا الوحدة؛ بل يطرح أشياء أخرى يصحِّح بها مفاهيم العلماء والسلف والفقهاء والمنظِّرين للعمل الإسلامي، يصحح مفهوم (الحكم لله) ويأتي بتفسير غاب عن كل أولئك حتى جاء هو واستخرجه من قمامة الإلحاد، أو أوحى به له أولياءه، أولئك الذين يوحون زخرف القول غرورًا فقال:
[وهؤلاء النفر من المشتغلين بالعمل والدراسات في الحقل الإسلامي يمعنون في افتعال بين أن تكون السلطة للأمة وبين أن يكون الحكم لله سبحانه وتعالى، وسبيلهم إلى ذلك الخلط بين أمور لا تقبل الاختلاط بل ويرتبون على مقدماتهم الفاسدة الحكم بكفر كل من جعل مصدر السلطة السياسية لغير الله ... فهم هنا يضعون سلطة جماهير الأمة نقيضًا لسلطة الله ويحكمون بكفر من يحيا راضيًا في مجتمع تكون الأمة فيه مصدر السلطات. ولقد نسي هؤلاء الباحثون الإسلاميون أن الحديث في الفكر الإسلامي عن حق الله إنما يعني حق المجتمع وأن القول بأن المال مال الله معناه أن المال مال الأمة والمجتمع ومن ثم فإن الحديث عن حكم الله وسلطانه إنما يعني في السياسة حكم الأمة وسلطانها] [1] .
ولو رحنا ندرس قياس محمد عمارة في ركنه الأول وهو الأصل المقاس عليه، وركنه الثاني وهو الفرع المقاس، والركن الثالث وهو العلة الجامعة، ودراسة المناط تحقيقًا وتنقيحًا لوجدنا الفساد مكتنفاُ للأصل والفرع والعلة والمناط. فالركن الأول ليس أصلًا! فلا هو آية ولا حديث ولا إجماع. فعلى أي شيء يقيس؟! ولا توجد علة جامعة بين الركن الأول والثاني، وهذا القياس أشبه بقياس المشركين عندما قالوا: إن الميتة ذبحها الله! فكيف تحلون ذبيحتكم وتحرمون ذبيحة الله؟ ونحن نجزم بأن قياس هؤلاء المشركين وقياس إبليس عندما قال (خلقتني من نار وخلقته من طين) كان أقل فسادًا من قياس عمارة، ولو أردنا أن نطبق قياس عمارة على أمور أخرى لرأينا الأعاجيب، فعلى قياسه يصير المضاف لله مضافًا للأمة أي للناس، فمال الله مال الأمة، وحكم الله حكم الأمة. فإذا كان هذا الذي عرفناه حكم الله من قرآنه هو حكم الأمة فيعني هذا أن القرآن كلام الأمة، وخلق الله خلق الأمة، وعبد الله عبد الأمة. وإذا لم يكن هذا هو الكفر فلا أدري ما هو الكفر! نعوذ بالله من الخذلان، ومن كل كفر وشر.
وإمعانًا في تمييز الدين عن السياسة، وإبعاد التشريع الإسلامي يستشهد عمارة بكلام السنهوري فيقول: [نذكر مثلًا قول الدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي يحدد فيه علاقة الفقه الإسلامي بالكتاب والسنة أي بالدين يقول السنهوري (إن الكتاب والسنة هما المصادر العليا للفقه الإسلامي وقد قصدت بالمصادر العليا أن أقول إنها مصادر تنطوي في كثير من الأحيان على مبادئ عامة ترسم للفقه اتجاهاته ولكنها ليست هي الفقه ذاته، فالفقه الإسلامي هو من عمل الفقهاء صنعوه كما صنع فقهاء الرومان وقضاتهم القانون المدني) - ويعقب محمد عمارة بقوله: فهذا التحديد الدقيق لمكان القانون من الدين ولمكان الفقه الإسلامي من الشريعة الإسلامية هو الذي عبر عنه المفكرون المسلمون الذين بحثوا مكان السياسة والإمامة ونظام الحكم من الدين فقالوا: إنها مستخرجة من الرأي وليس من الكتاب والسنة] [2] .
(1) - الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، ص/ 34.
(2) - المصدر السابق ص / 54 - 55.