وهذا الذي قاله عمارة هو رأيه ورأي السنهوري وأضرابه من مدرسة الأشقياء الماسون، وليس رأي المسلمين، واستشهاد عمارة بالسنهوري ومحمد عبده والأفغاني - كما يقال في المنطق - يستلزم الدَّور، لأن أقوالهم تحتاج إلى أدلة، فكيف أصبحت هي الأدلة؟. ووصفه نفسه بأنه مفكر إسلامي لا نقرُّه عليه حتى لا يصدق نفسه، نعم لا ننكر أنه مفكر، فلقد قال الله تعالى لمن قبله: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ - فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ - ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ - ثُمَّ نَظَرَ - ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ - ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} ولكننا ننكر أن ينسب تفكيره للإسلام فيسميه تفكيرًا إسلاميًا.
ثم يريد أن يقرر بأن الأمة مصدر السلطات. والمقصود بالسلطات: السلطات الثلاث: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية، فيقول تحت عنوان: (الأمة مصدر السلطات)
[ولقد تكون عبارة (مصدر السلطات) من الصياغات التي يتميز بها أدبنا السياسي والدستوري الحديث دون القديم ... إن هذه القواعد التي قررها الفكر السياسي الإسلامي تعني ما تعنيه عبارة (الأمة مصدر السلطات) ثم ألا ترى معنى هذه العبارة واضحًا جليًا في كلمات الإمام محمد عبده التي تقول:"والحكمة والعدل في أن تكون الأمة في مجموعها حرة مستقلة في شئونها"وأيضًا فماذا تعني عبارة جمال الدين الأفغاني التي يحدد فيها أن على الأمة أن تبايع حاكمها بعد أن تشترط عليه وبعد أن يقسم على الأمانة[1] والخضوع لقانونها الأساسي - الدستور - وتتوجه على هذا القسم وتعلنه له يبقى التاج على رأسه ما بقي محافظًا أمينًا على صوت الدستور. وأخيرًا ماذا يعني تسمية ممثلي الأمة في فكر الإسلام السياسي أهل الحل والعقد ... ماذا تعني هذه الأوصاف إلا أنهم أهل الحل والعقد ومصدر السلطات] [2] .
ونحن لا نناقشه بآراء محمد عبده والأفغاني لأنهم عندنا لا يمثلون الفكر الإسلامي ولا يمثلون العلماء الذين يعتد بآرائهم فهم ماسون يمثلون مدرسة الأشقياء الماسون وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. فهم ليسوا منا ولسنا منهم، وإذا أراد أحد كائنًا من كان أن يدلل على قضية بأنها إسلامية فليأت بدليل من القرآن والسنة أو إجماع الأمة، أو من اتفقت الأمة على إمامتهم كالأئمة الأربعة وأمثالهم، مع أن أقوال هؤلاء الأئمة لا تعتبر فيصلًا إلا إذا كانت مشفوعة بالدليل كما قالوا هم بذلك، وأما تعسفه باستخدام كلمة أهل الحل والعقد بأنها تعني أن الأمة مصدر السلطات فهذا تأويل لا تحتمله نصوص الشرع ولا اللغة ولا فهم العقلاء، وليس له مكان في عالم التأويل إلا أن يكون ضمن التأويلات الباطنية مثل إخوان الصفا والحشاشين!!
ويقول: [إن الذين يقولون باشتمال الوحي على نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وإداري للمجتمعات المسلمة وإنه ما علينا إلا التنفيذ والتطبيق لهذا النظام .. سيصلون شاءوا أم لم يشاءوا إلى تعطيل ملكة العقل ... وكما يقول الإمام محمد عبده (في هذا الرأي الغريب هو ما انتهت إليه السلطة الكهنوتية الكاثوليكية الأوروبية في العصور الوسطى عندما زعمت أن الكتب المقدسة حاوية كل ما يحتاج إليه البشر في المعاش والمعاد على حين علّمنا الإسلام أن هداية الدين هي الهداية الرابعة التي وهبها الله للإنسان بعد هداية الحواس والوجدان والعقل)
(1) - القسم على الأمانة من أقسام الماسون والمسلم لا يقسم إلا بالله قال ابْنُ عُمَرَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: {مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوأَشْرَكَ} رواه الترمذي برقم 1535.
(2) - الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، ص / 57.