إن خطأ عمارة أنه يفسر التاريخ بأهواء القوميات والماركسيات المعاصرة التي تريد أن ترتد إلى الوراء لتجعل لها جذورا غير حقيقية وهي تعتمد في ذلك على خيوط واهية منها ذلك الخيط الذي تردى فيه الكواكبي وهو الخلافة العربية، وما يسمى بالتسلط العثماني في حكم ما يسمى بالأمة العربية، حيث لم يكن هناك مفهوم يسمى الاستعمار في هذه المرحلة أو في هذه المعركة، وكلمة الاستعمار كلمة مستحدثة ارتبطت بالاستعمار الغربي وحده، أما العلاقة بين الدولة العثمانية والعرب (سواء المصريين أو السوريين أو الجزائريين أو التونسيين) فقد كانت علاقة الأخوة الإسلامية وعلاقة استعانة الجزء بالكل في سبيل مواجهة الخطر الغربي المتحفز الذي كان يستعد بعد انتهاء الحروب الصليبية إلى جولة أخرى لولا هذه الوحدة التي طالبت بها مصر وتونس وغيرها الدولة العثمانية بصفتها دولة إسلامية تجمعها وإياها كلمة (لا إله إلا الله) .
وكل التفسيرات التي تحاول أن تصور الأمر على غير هذا فهي تفسيرات ضالة، ولقد حضرنا الملتقى الإسلامي في الجزائر عام 1972 م ونوقشت هذه القضايا مناقشة واسعة. إن هذا الاتجاه الذي يحاول أن يصور الوهابية والسنوسية والمهدية في صورة معارضة سياسية للدولة العثمانية ومعتبرة إياها دولة استعمارية هو اتجاه مراوغ غير صحيح وليس هناك أي سند له أو أي دليل، فإن المسلمين في هذه المرحلة لم يعرفوا هذا (الاتجاه العروبي) المفروض من بعد على تفسير التاريخ في مراحل سابقة لوجوده مثلا. ولعل هذا انسياق وراء التيار البعثي والماركسي الذي يحاول أن يفسر التاريخ الإسلامي تفسيرا يخرج به من مفهوم (الجامعة الإسلامية) والوحدة الإسلامية التي يكرهها البعث ودعاة القوميات من ساطع الحصري إلى محمد عمارة.
وهي محاولة لالتقاط كلمات من هنا وهناك لإقامة مفهوم وهمي، ولست أدري لماذا هذه الكراهية العنيفة للدولة العثمانية - وخاصة من مدعي اليسار الإسلامي- وكان الأولى بهم أن يكونوا منصفين، إلا أن تكون مؤامرة لمؤازرة مفهوم الصهيونية العالمية والشيوعية العالمية التي هدمت هذا الصرح لإقامة دولتها في فلسطين ومن شأن هذا أن يكشف أن هناك ارتباطًا خفيًا بين الماسونية وبين هذه الدعوات التي يحملها الكارهون للدولة العثمانية مثل أحمد بهاء وعمارة وغيرهم.
4 -كذلك فهناك الزج بكلمة العقلانية في كل ما يتصل بالإسلام فما كان الإسلام عقلانية خالصة ولا كان هو (المعتزلة) وما كان كل خارج عن الإسلام من الثوار على النحو الذي أورده في كتابه (مسلمون ثوار) حيث ضم دعاة الباطنية إلى أعلام الإسلام ...
5 -ومن أخطائه حملته على السلف الصالح وإعلاء شأن الفلاسفة والمتصوفة الخارجين عن مفهوم الإسلام، والمتكلمين وخاصة الحلاج، وابن عربي، والقرامطة، والباطنية، فإن هؤلاء لم يكونوا دعاة إسلاميين حقيقيين أو مناضلين كما يسميهم، فضلا عن أنهم ناقضوا أصل الأصول في الإسلام وقد ثبت أنهم كانوا يهدفون إلى هدم الإسلام بتدمير الدولة الإسلامية، لذلك فلا يمكن أن يوصفوا بأنهم فرسان الدفاع عن إنسانية الإنسان، وليس معنى أن بعض الفقهاء ارتبطوا بالحكام أن يوضع هؤلاء الحاقدون على الإسلام بالمقابل في صف الثوريين المصلحين، لقد رفض الإسلام مفهوم الفلاسفة الذين يقولون: بقدم المادة والعالم وأزليتهما رفضا تاما.