ولم يقل: رفيع الدرجة، فكثَّر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلَّى إلهيًا عُبد فيها، وأعظم مجلًّى عُبد فيه وأعلاه الهوى، كما قال: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، فهو أعظم معبود، فإنه لا يُعبد شيء إلا به.
وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى = ولولا الهوى في القلب ما عُبد الهوى
والعارف المكمّل من رأى كل معبود مجلّى للحق يعبد فيه].
وقال تحت عنوان (فصّ حكمة عُلوِيَّة في كلمة مُوسوية) :
[ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي. أطيعوا أمراءكم وإن جاروا، لذلك قال: أنا ربكم الأعلى، أي وإن كان الكلُّ أربابًا بنسبةٍ ما، فأنا الأعلى منهم، بما أُعطيتُه في الظاهر من التحكُّم فيكم، ولمَّا علمتِ السحرةُ صدقه فيما قاله: أنا ربكم الأعلى. لم ينكروا، وأقرّوا بذلك، فقالوا: إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، فاقضِ ما أنت قاضٍ، فالدولة لك، فصح قوله: أنا ربكم الأعلى، وإن كان عين الحق، فالصورة لفرعون ... فنجاه الله من عذاب الآخرة في حق نفسه، ونجَّى بدنه، كما قال تعالى: فاليوم ننجيك ببدنك، فقد عمته النجاة حسًّا ومعنىً] .
وقالت تحت عنوان (فصّ حكمة أحديّة في كلمة هوديّة) :
[واعلم أنه لما أطلعني الحق، وأشهدني أعيان رسله وأنبيائه كلهم البشريين، من آدم إلى محمد صلى الله عليهم أجمعين، في مشهد أقمتُ فيه بقرطبة سنة ست وثمانين وخمسمائة، ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلا هود. فإنه أخبرني بسبب جمعيتهم، ورأيته عليه السلام رجلًا ضخمًا ... وإن أخذنا ليس كمثله شيء تحققنا بالمفهوم وبالإخبار الصحيح أنه عين الأشياء ... فهو السَّاري في مسمَّى المخلوقات والمبدَعات، ولو لم يكن الأمر كذلك لما صحَّ الوجود، فهو عين الوجود] .
وقال تحت عنوان (فصّ حكمة فرديّة في كلمة محمديّة) :
[وأول الأفراد الثلاثة، وما زاد على هذه الأوليّة من الأفراد فإنه عنها. فأشبه الدليل في تثليثه. والدليل دليل نفسه. فمن عرف نفسه فقد عرف ربه، ولما كانت حقيقته تعطي الفردية الأولى بما هو مثلث النشأة، لذلك قال في المحبة التي هي أصل الوجود: حُبِّب إليّ من دنياكم ثلاث، بما فيه من التثليث، ثم ذكر النساء والطِّيب، وجعلت قرة عينه في الصلاة.
فابتدأ بذكر النساء وأخَّر الصلاة، وذلك لأن المرأة جزء من الرجل في أصل ظهور عينها ... فإن كل جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربُّه فافهم، فإنما حُبِّب إليه النساء فحنَّ إليهن، لأنه من باب حنين الكل إلى جزئه، فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق ... فبطن نفس الحق فيما كان به الإنسان إنسانًا، ثم اشتقَّ له شخصًا على صورته سمّاه امرأة، فظهرت بصورته فحنَّ آدم إليها حنين الشيء إلى نفسه، وحنَّت المرأة إليه حنين الشيء إلى وطنه، فحُبب إليه النساء. فإن الله أحبَّ مَن خلَقه على صورته، وأسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم، وعلوِّ نشأتهم الطبيعية. فمن هنا وقعت المناسبة والصورة أعظمَ مناسبة وأجلَّها، فإنها زوّجت أي شفعت وجود الحق، كما كانت المرأة شفعت بوجود الرجل فصيَّرته زوجًا، فظهر الثلاث: حق، ورجل، وامرأة،