فحنَّ إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه، فحَبَّب إليه ربُّه النساء كما أحب الله مَن هو على صورته.
فما وقع الحب إلا لمن تكوَّن منه وهو الحق؛ فلهذا قال: حُبِّب إليّ، ولم يقل: أحببتُ، لتعلّق حبِّه بربّه الذي هو على صورته حتى في محبته لامرأته، فإنه أحبها بحبّ الله إيّاه تخلقًا إلهيًا، ولما أحبَّ المرأة طلب الوُصلة، أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعمّ الشهوة أجزاءه كلَّها، ولذلك أمر بالاغتسال منه، فعمّت الطهارة كما عمَّ الفناء فيها عند حصول الشهوة، فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذُّ بغيره، فطهره بالغسل ليرجع بالنظر إليه فيمن فني فيه، فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهوده في منفعل، وإذا شاهده في نفسه من حيث ظهور المرأة عنه شاهده في فاعل، وإذا شاهده من نفسه من غير استحضار صورة ما تكون عنه كان شهوده في منفعل عن الحق بلا واسطة، فشهوده للحق في المرأة أتمّ وأكمل، لأنه يشاهد الحق من حيث هو هو فاعل منفعل، ويشاهد من نفسه من حيث هو منفعل خاصة.
فلهذا أحب النساء لكمال شهود الحق فيهن؛ إذ لا يشاهد الحق مجرّدًا عن المراد أبدًا، وإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنِعًا، ولم تكن الشهادة إلا في مادة. فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله. وأعظم الوصلة النكاح، وهو نظير التوجه الإلهي على مَن خلقه على صورته ليخلفه، فيرى فيه صورته؛ بل نفسه ... فما أحبّهن إلا بالمرتبة، وأنهن محلّ الانفعال، فهن له كالطبيعة للحق التي فتح فيها صور العالم بالتوجه الإرادي، والأمر الإلهي، الذي هو نكاح في عالم الصورة العنصرية، وهمّة في عالم الأرواح النّورية، وترتيب مقدمات في المعاني للإنتاج، وكل ذلك نكاح الفردية الأولى في كل وجه من هذه الوجوه ... وأما حكمة الطِّيب وجعله بعد النساء، فلِما في النساء من روائح التكوين، فإنه أطيب الطيب عناق الحبيب ... فحُبِّب إليه الطيب، فلذلك جعله بعد النساء، فراعى الدرجات التي للحق في قوله: رفيع الدرجات].
ومن أقوال ابن عربي في غير الفصوص:
[عطاء الفتوة قد بيناه في هذا الكتاب (الفتوحات) ، وفي كتاب مواقع النجوم الذي ألفناه بالمرية من بلاد الأندلس سنة خمس وتسعين وخمسمائة عن أمر إلهي، وهو كتاب شريف] [1] .
ويقول: [قد وقف الصفيّ الوليّ - أبقاه الله - على سبب بدء العالم في كتابنا المسمى بـ"عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب"، وفي كتابنا المسمَّى بـ"إنشاء الدوائر"... فشغلنا هذا الكتاب عنه وعن غيره بسبب الأمر الإلهي الذي ورد علينا في تقييده] [2] .
وقال: [وأما أنا فسبق لي منه - أي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لوح من ذهب جيء به إليّ بتونس سنة ثمان وتسعين وخمسمائة] [3] .
ويقول: [إن هذا العرش - عرش الله - قد جعل الله له قوائم نورانية لا أدري كم هي، ولكني أُشهدتها، ونورها يشبه نور البرق. ومع هذا فرأيت له ظلًا فيه من الراحة ما لا يقدر قدرها، وذلك الظل ظل مقعَّر هذا
(1) - الفتوحات المكية (4/ 338) .
(2) - الفتوحات المكية (1/ 126) .
(3) - الفتوحات المكية (1/ 838) .