إن ضعف الأوضاع بالنسبة للمؤسسات المالية والمصرفية في دول جنوب شرق آسيا يرجع كذلك إلى ضعف الرقابة وانعدام الإفصاح والشفافية وإلى تداخل المصالح بين قطاع الأعمال والمصارف من ناحية وقطاع السلطات السياسية من ناحية أخرى. (3) وهكذا تميز النظام المالي في هذه الدول بالاعتماد المبالغ فيه على الاقتراض من البنوك من ناحية وتوسع البنوك في الاقتراض بضمانات غير حقيقية من ناحية أخرى، وبالانكشاف الكبير أمام القروض الأجنبية قصيرة الأجل من ناحية ثالثة، ومثل هذه الأوضاع تضع النظام الاقتصادي في وضع مزعزع وغير مستقر، فأي اهتزاز في الثقة في أوضاع البنوك أو في ثقة المستثمرين الأجانب في سلامة الاقتصاد لا بد أن يترك آثارة بعيدة على وحدات القطاع الإنتاجي، ويبدو أن ضعف الجهاز المصرفي في هذه الدول قديم ومتداول. ومن ثم يكفي أن يتعرض أحد البنوك الأزمة مالية حتى يقبض على تسهيلاته التي سرعان ما تنعكس على المشروعات وعلى البنوك الأخرى، ومع هذا التدهور في الأوضاع المالية للبنوك والمشروعات تتجه التوظيفات المالية الأجنبية للهروب.
ومع تخفيض أسعار الصرف - التي كانت أصلا مثبتة بسعر الدولار والتي انخفض بعضها إلى ما يقرب من النصف، فإن المشروعات المقترضة بعملات أجنبية واجهت صعوبة كبيرة في خدمة ديونها الأجنبية، وبدأت الحلقة الجهنمية في التدهور والانهيار التؤتي مفعولها وتتوالى الانهيارات لتحل الأزمة (1) . وخلاصة القول أنه أصبحت موارد مالية كبيرة متاحة باسعار فائدة منخفضة نسبية مع قيام المستثمرين الذين يبحثون عن فرص جديدة بنقل مقادير ضخمة من رأس المال إلى آسيا، وكما يحدث في فترات الرواج ارتفعت بسرعة اسعار الاسهم والعقارات في البداية، وبذلك جذبت المنطقة موارد مالية اكثر غير أن التخصيص المحلي لهذه الموارد الأجنبية المقترضة كان غير كفوء بسبب ضعف النظام المصرفي وطاقة الاستيعاب المحدودة في هذه البلدان، وهزالة توجيه ادارة الشركات والافتقار إلى الشفافية والرقابة في القطاع المالي، واعطت أيضا نظم اسعار الصرف في هذه البلدان للمقترضين احساسة زائفا بالأمن، مما شجعهم على
(3) المصدر السابق نفسه، ص 14
(1) د. حازم الببلاوي، مصدر سبق ذكره، ص 48