السياسة التجارية من جهة، ومن خلال ارغام الدول النامية على فتح اسواقها أمام الشركات الأجنبية من اجل القيام فيها بإنتاج وتسويق سلع وخدمات مماثلة لتلك التي تنتجها وتسوقها الشركات المحلية لتلك البلدان من جهة اخرى.
ولعل من أهم الملامح التي تميز التجارة الدولية في الوقت الراهن تتمثل في جانبين اساسين، الأول: التغير الحاسم في مكوناتها والذي يمكن عده بحق احد الملامح الرئيسة فيها، والثاني: بروز اشكال جديدة من الحمائية الكثيفة المفروضة على التدفقات السلعية في التجارة الدولية. أن الأمر المهم في كلتا الحالتين هو ان حصيلتهما تسير باتجاه واحد يتناقض ومتطلبات التنمية في الدول النامية، فتغير المكونات والذي يأتي بحد ذاته تعبيرا عن فاعلية التطورات التكنولوجية، جاء على حساب خلق سلع جديدة بديلة لصادرات الدول النامية من المواد الأولية اساسا. وكما أن دور العامل التكنولوجي هنا، ومصدره الدول الصناعية المتقدمة، انه في الوقت الذي خلق فيه هذا البديل، قد فرض ايضا (نمطية انتاجية دولية الابعاد تتجاوز حدود انتمائها القومي فالسلع المتبادلة في التجارة الدولية قد فقدت بالفعل هويتها حين اختلط التعرف على حقيقة مصدرها، ومن ثم أضحى العالم كله دولتها.
أما على صعيد الحمائية الجديدة التي تفرضها الدول الصناعية على استيراداتها من
الدول النامية، فإن في هذا الموقف يكمن تناقض صارخ لتوجه الدول الصناعية في التعامل الاقتصادي الدولي مع الدول النامية، وعلى الصعيدين المبدئي والنوعي مبدئية فإن الدول الصناعية اذ هي تبشر بحرية التبادل والتجارة، فانها تناقض ذلك من خلال اجراءات الحماية التي ترافقها ضغوط شاملة لتعزيز مصالحها، وهذا ما يبدو واضحة من خلال سعيها مباشرة او من خلال المنظمات الاقتصادية الدولية، إلى دعم التوجه نحو انتاج السلع المؤهلة للتصدير من قبل الدول النامية - في الصناعات التي تحتاج إلى طاقة كبيرة وتضر بالبيئة - وتزويدها في هذا المسعى بالخبرات والمساعدات المالية، ولكن حينما تنضج القاعدة التصديرية لهذه الدول تعود وتفرض عليها جدارا من الحماية المدمرة ليطوقها وقد بلغت هذه الحماية اليوم مستوى من العمق والسعة لم يشهد الاقتصاد العالمي مثله من قبل (1) . وفي هذا كله كأن الدول الصناعية تريد بالدول
(1) باسل البستاني وآخرون، مصدر سبق ذكره، ص 243.