فأخبر صلى الله عليه وسلم عن إقبال الفتن من ناحية المشرق وكذلك أكثر الفتن من المشرق انبعثت وبها كانت نحو الجمل وصفين وقتل الحسين وغير ذلك مما المطلوب ذكره مما كان بعد ذلك من الفتن بالعراق وخراسان إلى اليوم وقد كانت الفتن في كل ناحية من نواحي الإسلام ولكنها بالمشرق أكثر أبدا ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (( إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر ) )وقد يحتمل أن تكون الفتنة في هذا الحديث معناها الكفر وكانت المشرق يومئذ دار كفر فأشار إليها.
والفتنة لها وجوه في اللغة منها العذاب ومنها الإحراق ومنها الحروب التي تقع بين الناس ومنها الابتلاء والامتحان وغير ذلك على حسبما قد ذكره أهل اللغة.
وأما قوله (( من حيث يطلع قرن الشيطان ) )فقد مضى القول فيه في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا. اهـ
فقد أوضح الإمام ابن عبد البرّ عليه رحمة الله المتوفى قبل ولادة شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله بمئات السنين أنّ المقصود بمواضع الفتن والزلازل ومطلع قرني الشيطان في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم المتقدّم هو العراق وخراسان وما جاورهما من ناحية المشرق أي مشرق المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، وها هو إمام من أئمّة المسلمين وحافظ من حفاظ المغرب رحمه الله تعالى وهو حجّة عند أعداء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهّاب قبل أتباعه يفهم من قوله عليه السلام (( الفتنة من ها هنا ) )خلاف ما فهمه من أعمى الله بصيرتهم وطغى الهوى على قلوبهم فأصبحوا لا يميّزون بين حقّ وباطل من أنصار عبادة الأوثان ومخاطة الولدان والمردان!
فهل سيُصنّف الإمام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى بأنّه وهابي هو الآخر ؟!