واعلم أننا لا نسلم عدم وجود دليل في الكتاب أو السنة يوجب تقليد العلماء. فإن العامي مطالب بالرجوع فيما يعرض له من مهمات دينه إلى العلماء وجوبًا ولا على التعيين، والدليل من القرآن الكريم قوله تعالى: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ، و { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ } . ومنه يؤخذ انتفاء (النهي عن تقليد العلماء مطلقًا) المستلزم لانتفاء النهي عن مطلق التقليد. ويؤخذ منه جواز تقليد أئمة الفقه الأربعة، لدخولهم في عموم العلماء. فيصير الأخذ عن العلماء واجبًا على غير العالم، وممن يجوز الأخذ عنه أحد الأئمة الأربعة لكونهم علماء.
ثم نقول: إن بلاد المسلمين من أهل السنة ليس فيها إلا أربعة مذاهب فقهية معتبرة هي الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، ولا وجود لمذهب مأصل مقعد متكامل في جميع أبواب الفقه غيرها بالاستقراء. فإن عرض للعامي شيء يستدعي السؤال فمن يستفتي؟ إنه لن يجد أحدًا يفتيه إلا على أحد هذه المذاهب. فإن كان معنى كلامك أن على أهل السنة أن يعتبروا المذهب الجعفري أو غيره من مذاهب الإمامية ويستفتون سادتهم كما يرجعون إلى مشايخ المذاهب الأربعة، فذلك مما لا يتصور حصوله. وإن يوافق أهل التقريب على ذلك يومًا لكن عليهم أن يشترطوا عليكم المثل إن كان لهم بقية من الكرامة، وسيفاجأون عندها أن الشيعة لن يرضوا بذلك حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، لأنهم لا يجيزون اتباع أهل السنة والتعبد بمذهبهم إلا تقية، ولا يحبون موافقتهم في شيء.