فهرس الكتاب

الصفحة 2126 من 3182

إن قوله: (وأحدثوا مذاهب أربعة لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم) . إن أراد بذلك أنهم اتفقوا على أن يحدثوا هذه المذاهب مع مخالفة الصحابة فهذا كذب عليهم، فإن هؤلاء الأئمة لم يكونوا في عصر واحد، بل أبوحنيفة توفي سنة خمسين ومائة، ومالك سنة تسع وسبعين ومائة، والشافعي سنة أربع ومائتين، وأحمد بن حنبل سنة أحدى وأربعين ومائتين، وليس في هؤلاء من يقلد الآخر، ولا من يأمر باتّباع الناس له، بل كل منهم يدعوإلى متابعة الكتاب والسنة، وإذا قال غيره قولًا يخالف الكتاب والسنة عنده رده، ولا يوجب على الناس تقليده.

وإن قلت: إن أصحاب هذه المذاهب اتّبعهم الناس، فهذا لم يحصل بمواطأة، بل اتفق أن قومًا اتّبعوا هذا، وقومًا اتّبعوا هذا، كالحجاج الذين طلبوا من يدلهم على الطريق، فرأى قوم هذا الدليل خبيرًا فاتّبعوه، وكذلك الآخرون.

وإذا كان كذلك لم يكن في ذلك اتفاق أهل السنة على الباطل، بل كل قوم منهم ينكرُن ما عند غيرهم من الخطأ، فلم يتفقوا على أن الشخص المعيّن عليه أن يقبل من كل هؤلاء ما قاله، بل جمهورهم لا يأمرون العاميّ بتقليد شخص معيّن غير النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يقوله.

والله تعالى قد ضمن العصمة للأمة، فمن تمام العصمة أن يجعل عددًا من العلماء إن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق، ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ مسائل، كبعض المسائل التي أردوها، كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلًا، وأما خطأ بعضهم في بعض الدين، فقد قّدّمنا في غير مرة أن هذا لا يضر، كخطأ بعض المسلمين، وأما الشيعة فكل ما خالفوا فيه أهل السنة كلهم، فهم مخطئون فيه، كما أخطأ اليهود والنصارى في كل ما خالفوا فيه المسلمين.

ثالثًا: أن يقال قوله: (إن هذه المذاهب لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت