إن أراد أن الأقوال التي لهم لم تنقل عن النبي صلى الله عيه وسلم ولا عن الصحابة، بل تركوا قول النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وابتدعوا خلاف ذلك، فهذا كذب عليهم؛ فإنهم لم يتفقوا على مخالفة الصحابة، بل هم ــ وسائر أهل السنة ــ متبعون للصحابة في أقوالهم، وإن قدّر أن بعض أهل السنّة خالف الصحابة لعدم علمه بأقاويلهم، فالباقون يوافقون ويثبتون خطأ من يخالفهم، وإن أراد أن نفس أصحابها لم يكونوا في ذلك الزمان، فهذا لا محذور فيه، فمن المعلوم أن كل قرن يأتي يكون بعد القرن الأول.
ربعًا: قوله: (وأهملوا أقاويل الصحابة) . كذب منه، بل كُتب أرباب المذاهب مشحونة بنقل أقاويل الصحابة والاستدلال بها، وإن كان عند كل طائفة منها ما ليس عند الأخرى.
وإن قال: أردت بذلك أنهم لا يقولون: مذهب أبي بكر وعمر ونحوذلك، فسبب ذلك أن الواحد من هؤلاء جمع الآثار وما استنبطه منها، فأضيف ذلك إليه، كما تضاف كتب الحديث إلى من جمعها، كالبخاري ومسلم وأبي داود، وكما تضاف القراءات إلى من اختارها، كنافع وابن كثير.
وغالب ما يقوله هؤلاء منقول عمن قبلهم، وفي قول بعضهم ما ليس منقولًا عمن قبله، لكنه استنبطه من تلك الأصول، ثم قد جاء بعده من تعقب أقواله فبيّن منها ما كان خطأ عنده، كل ذلك حفظًا لهذا الدين، حتى يكون أهله كما وصفهم الله به (( يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) )التوبة 71 .. فمتى وقع من أحدهم منكر خطأ أوعمدًا أنكره عليه غيره.
وليس العلماء بأعظم من الأنبياء، وقد قال تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين(78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) الانبياء78ـ79.