وثبت في الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه عام الخندق: (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدر كتهم صلاة العصر في الطريق. فقال بعضهم: لم يُرد منا تفويت الصلاة، فصلوا في الطريق. وقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة، فصلوا العصر بعد ما غربت الشمس، فما عنّف واحدة من الطائفتين ) )فهذا دليل على أن المجتهدين يتنازعون في فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس كل واحد منهم آثمًا.
خامسًا: أن أهل السنة لم يقل أحد منهم: إن إجماع الأئمة الأربعة حجة معصومة، ولا قال: إن الحق منحصر فيها، وإن ما خرج عنها باطل، بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة، كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد، ومن قبلهم ومن بعدهم من المجتهدين قولًا يخالف قول الأئمة الأربعة، رُد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، وكان القول الراجح هوالقول الذي قام عليه الدليل.
سادسًا: قوله: (( الصحابة نصوا على ترك القياس ) ).
يقال له: الجمهور الذين يثبتون القياس قالوا: قد ثبت عن الصحابة أنهم قالوا بالرأي واجتهاد الرأي وقاسوا، كما ثبت عنهم، ذمُ ما ذموه من القياس. قالوا: وكلا القولين صحيح، فالمذموم القياس المعارض للنص، كقياس الذين قالوا ك إنما البيع مثل الربا، وقياس إبليس الذي عارض به أمر الله له بالسجود لآدم، وقياس المشركين الذين قالوا: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟ قال تعالى: (( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) )الانعام121.
وكذلك القياس الذي لا يكون الفرع فيه مشاركًا للأصل في مناط الحكم، فالقياس يذُم إما لفوات شرطه، وهوعدم المساواة في مناط الحكم، وإما لوجود مانعه، وهوالنص الذي يجب تقديمه عليه، وإن كانا متلازمين في نفس الأمر، فلا يفوت الشرط إلا والمانع موجود، ولا يوجد المانع إلا والشرط مفقود.