فهرس الكتاب
حينما نعرض لظاهرة انتشار الإسلام يجب أن يكون واضحًا أن هذا الانتشار السريع ليس انتشارًا لعقيدة الإسلام فحسب، وليس مجرد صراع بين الإسلام وبين المجوسية والديانات الإيرانية الأخرى، إنما هو انتشار فكر وإيمان وثقافة، وقد أدى إلى انتشار اللغة العربية والثقافة العربية ثم استعمال الحروف العربية، ثم تنظيم سياسي معين لأن الدخول في الإسلام كان بمثابة تحصيل الجنسية وحق المواطنة الكاملة في الدولة الإسلامية. ويتيح هذا الحق للمسلمين الإيرانيين أن يشتركوا في النشاط السياسي لهذه الأمة الفتية التي هي خير أمة أخرجت للناس، وهو أيضًا يمثل نشاطا اقتصاديا، لأن المسلمين جلبوا معهم نظريتهم في الضرائب والملكية وسبل الإنتاج الزراعي وغيره من وجوه الإنتاج، ثم هو في الوقت ذاته تطور اجتماعي، وتغير في نظام الأسرة وفي الحياة الدينية وفي التركيب الطبقي (3) .
هذا الوجه من تاريخنا الإسلامي لم يدرس بعد الدراسة الكافية، حتى العالم الاجتماعي وبل مؤسس علم الاجتماع وعبد الرحمن بن خلدون لم يوف هذه الناحية حقها، والمؤرخون المحدثون كانت عنايتهم الأشد بالأحداث السياسية أو بمعالم النهضة الفكرية أكثر من العناية بالكشف عن جذور هذا التطور العميق، وكل ما نعرفه هو أن هذا التطور وصل إلى نتيجة واضحة منذ القرن الثاني الهجري فصاعدا، حينما صار وجه إيران إسلاميا خالصا .
ثم تتابعت انتصارات الفرس السياسية حتى أصبح لهم التوجيه الأكبر في الحياة الإسلامية كلها في عهد بنو بويه ومن قبلهم البرامكة في العهد العباسي . كما برزت آثار الحضارة الساسانية في الحضارة الإسلامية، في الثقافة والنظم والفن، ولم تظهر هذه الآثار إلا بعدما انحرف مسار الخلافة الإسلامية وتفككت وأصبحت لكل بقعة إمارة وأمير للمؤمنين ومنبرًا .
ودراسة انتشار الإسلام في إيران تتطلب منا توضيح النواحي الآتية:
1-العوامل التي مكنت الإسلام من النجاح والانتشار .