فهرس الكتاب

الصفحة 2803 من 3182

حدود الطاعة المطلقة للخلافة والإعتراف بسلطانها حتى إذا سولت لهم أنفسهم أن يخرجوا عن حدود الطاعة، كان الكبت والقمع دون هوادة .وكان لهم في ذلك سياسة مرسومة وهي سياسة ضرب العناصر بعضها ببعض، فقد ضربوا الخراسانية (3) جيل أبي مسلم بالبرامكة الفرس وضربوا البرامكة ببقية النفوذ العربي، وضربوا بقية النفوذ العربي بالخراسانية من جيل بني طاهر، ثم ضربوا هؤلاء الخراسانية بأتراك المعتصم .

إذن يمكننا أن نقول إن سياسة العباسيين حيال هذه العناصر الإيرانية المتقدمة في المجال العسكري والسياسي قامت على أساس المشاركة والموازنة في إطار الطاعة لبني العباس، فإذا أحسوا منهم أي خطر عاملوهم بالكبت والقمع والقتل، هذه السياسة تفسر الكثير من أحداث العصر العباسي الأول، كمصرع أبي مسلم ونكبة البرامكة والصراع بين الأمين والمأمون (4) والقضاء على بني سهل .

كانت الخلافة في العصر العباسي الأول تستفيد من العناصر الإيرانية وتطلق لها من السلطان السياسي ما لا يخل بمبدأ التوازن، فإذا أحست بالإختلال بادرت إلى الفتك والتنكيل (1) .

ثم ضعفت الخلافة العباسية بعد الواثق بن المعتصم مباشرة، وتناقل المؤرخون أخبار العدوان على أشخاص الخلفاء بالسجن أو القتل أو التعذيب أو العزل أو على سلطانهم بالسلب والتضييق . فكأن الخليفة لم يأمن حتى على نفسه فحسب، بل إن منصب الخلافة فقد ما كان له في نفوس المعاصرين من الهيبة والقداسة (2) .

وتُردّ هذه التطورات إلى ضعف الخلفاء حينًا، وإلى انصرافهم إلى اللهو أحيانًا أخرى، لا ننكر أنه ظهر بعض الخلفاء الضعاف الذين استسلموا للواقع، ولكن الأمر لم يخل من خلفاء آخرين كانوا على جانب كبير من قوة الإرادة، والحقيقة أن الأمر لم يكن ضعف أشخاص الخلفاء بقدر ما كان ضعف نظام الخلافة نفسه (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت