فهرس الكتاب

الصفحة 2804 من 3182

كانت الخلافة العباسية تستمد قوتها من مصادر متعددة: من دعوة عباسية منظمة، ومن صلات مطردة بين رؤساء التنظيم العقائدي في بغداد وبين شبكات الدعاة وجماهير الأنصار في الأقاليم وتستمد قوتها من بيت من بيوت قريش يتوارث أفراده هذا المنصب ويتحدون جميعًا للإبقاء على هذا الميراث، ثم عصبية قوية متماسكة تؤمن بأن بقاءها من بقاء الخلافة قوية (4) ، وأن مصلحتها قد ارتبطت بالخلافة بصلات قوية، وإذا كانت تلك هي مصادر القوة في النظام الخلافي، فإن افتقادها هذه المصادر يؤدي إلى ضعف الخلافة.

وليس من شك في أن صلات الخلفاء بشبكات الدعاة في كافة أرجاء العالم الإسلامي لم تضعف فحسب، بل تهاوت تماما بعد الخليفة المتوكل، فلم نسمع عن ذلك النوع من الرسائل الذي رأيناه في العصر العباسي الأول، ومعنى هذا أن الخليفة فقد صفته كرأس لذلك التنظيم الذي سيطر على الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول، وادى هذا بالتالي إلى أنه فقد القداسة والهيبة في نفوس الناس، وتعرض الخلفاء لصور كثيرة من الإمتهان (1) .

وضعفت الروابط بين الخليفة وملايين الناس الذين أيدوا الحزب العباسي وانخرطوا في سلكه . وأغلب الظن أن الخلايا المندسة في البلاد قد انحلت أو انصرفت إلى تأييد الدعاة الشيعة الذين ملأوا الفراغ في التنظيم العقائدي في العصر العباسي الثاني. فلم نسمع أن هذه الجماهير كانت تولى الخلافة المضطهدة ذلك التأييد العميق نفسه الذي كانت توليه للمنصور أو الرشيد .

وأغلب الظن أن الدعاة قد تضاءل نفوذهم ولم يعد حكام الولايات رؤساء للتنظيمات المحلية كما كان الحال عليه في العصر العباسي الأول. فقد ضعفت صلتهم بالخلفاء وانصرف الكثيرون منهم إلى تنمية مصالحهم الذاتية والإكثار من المال والجند توطئة للإسهام في الحركة الإستقلالية التي غلبت على الحياة الإسلامية (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت