فهرس الكتاب
لما وطئت أقدام العرب الفاتحين أرض فارس بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الفكر الايراني، لكن جنود سعدبن ابن أبي وقاص وأبناء الجزيرة الذين اجتازوا رمالها الشاسعة وأرغموا الجيش الفارسي بقيادة رستم في نهاوند على التسليم والذين أنهوا بسيوفهم الاستقلال السياسي للفرس، -وهم الشعب العريق- لم يضعوا قيدا يذكر على حرية الفكر لدى الايرانيين الذين ولوا ظهورهم للعقيدة المجوسية وأقبلوا على الاسلام طائعين ، دون أن يتخلوا تماما عن كل موروثاتهم الفكرية -وان تركوا الوجه الظاهر من ثقافتهم- بل دمجوها بالاسلام الوافد الجديد الى حد كبير مما جعل الاسلام يأخذ -ببطء- لونا فارسيا فيما بعد، يتفق مع العادات الفكرية والرسوم والآداب الآرية (1) .
وهذا يشبه عمل العقل الهلاني -الهليني (2) - الواقعي في الغرب في تجربة مشابهة، على تأويل دين سماوي آخر -وهو المسيحية الوافدة اليه من أرض كنعان السامية. وكانت النتائج في الحالتين متشابهة على نحو مثير ولذا قال العلاّمة الدكتور محمد اقبال اللاهوري الشاعر الاسلامي العظيم"ان الاسلام أصيب في ايران بما أصيبت به النصرانية في أوربا (3) ."
لقد كان الهدف لدى العقلية المتلقية للدين الجديد في الحالتين أن تحاول عن طريق التأويل والفلسفة التخفيف من الصرامة البالغة للقانون الالهي المطلق الذي فرض على المجتمع من الأعلى، وبعبارة أقصر كما يقول اقبال، هي محاولة لجعل ما هو خارجي مفروض يبدو كما لو كان ذاتيا نابعا من الداخل، وقد بدأت عملية التحول أو التحويل هذه مع شيوع دراسة الفكر الإغريقي في فارس (1) .