فهرس الكتاب

الصفحة 2808 من 3182

وقد عوّق هذا الأمر -مع عوامل أخرى- نمو فكر محلي خالص، لكنه على كل حال يعتبر انتقالًا من الاتجاه الموضوعي المجرد للفلسفة الإيرانية قبل الإسلام إلى الاتجاه الذاتي الذي عرف به الفلاسفة اللاحقون، ويبدو أن تحقيق هذه النقلة يرجع إلى الدور الذي لعبه الفكر الوافد، الذي هيأ الاتجاه القديم الواهن نحو التصوف وأن يتخذ طابعا أكثر روحانية، والميل القديم الى التصوف الذي تبلور في نهاية القرن الثاني الهجري أخذ على عاتقه تقديم المزيد من الروحانيات .

ومن خلال هذا التطور الأخير قدر للثنوية الايرانية القديمة -ثنوية النور والظلمة- أن تنتعش وتأخذ معنى روحيًا جديدًا .

ولعل هذه الحقيقة المتمثلة في أن الفكر اليوناني قد أنهض العقلية الايرانية الحاذقة نحو حياة جديدة، وأسهم في اثرائها حين استطاع المجرى العام للتطور الفكري في إيران أن يتمثل أخيرا هذا الفكر الوافد .

هذه الحقيقة تسمح لنا أن نعرج على مذهب بعض المفكرين الإيرانيين المتأثرين بالأفلاطونية الجديدة -خاصة شيخهم الشيخ الرئيس ابن سينا- الذين ما كانوا بسبب ذلك يستحقون الا عناية ضئيلة في تاريخ الفكر الإيراني الخالص (2) . على كل حال يجب أن نذكر أن الفلسفة اليونانية قد تطرقت الى الشرق الإسلامي خلال سوريا وحران (3) .

لقد تبنى السوريون آخر اتجاهات الفكر الإغريقي، أي الأفلاطونية الجديدة ونقلوه إلى العالم الإسلامي متوهمين أنه يمثل الفلسفة المشائية الحقيقية لأرسطو (1) .

ووصلت الفلسفة اليونانية بسبب جهل المترجمين وتحريفهم وعقائدهم الدينية وإدخالها في الترجمات إلى المسلمين مشوهة (2) منسوخة جهلا من الناقلين أو قصدًا، مع أن خلفاء المسلمين وحكامهم كانوا يدفعون إلى هؤلاء النقلة ثقل الكتب التي كانوا ينقلونها، ذهبا ِإبريزا، وكانوا، فوق ذلك كله يأتمنونهم على هذا التراث (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت