كما ندعو المرجعيات الشيعية إلى إعلان رفض ذلك الفعل القبيح والبراءة منه، ولا يُحسب سكوتهم إلا من التقصير في الأخذ بأسباب التعايش السلمي على أحسن تقدير، وإلا فيخشى أن يكون ظاهره موافقة صريحة للسفهاء على استفزازاتهم تحتمل الرضا والمباركة، ومآله إلى إجهاض مشروع التعايش الذي كانت الأطراف تتنادى وتتداعى إليه.
إن التعايش السلمي يقتضي ـ في أهم ما يقتضيه ـ منع أساليب الاستفزاز من جميع الأطراف منعًا مستغرقًا وشاملًا، وأعظم ما يكون الاستفزاز حين يخرج في صورة التطاول بالسب والشتم لما يقدسه الآخر ويعظمه، فهو أعظم بكثير من أن يُسب الشخص نفسُه؛ لأنه في الأولى قضية تمس كرامة كل شخص، بينما هي في الأخرى لا تمس إلا شخصية المشتوم وحده.
لقد كان هناك كثيرون يشككون في دعوة بعض الإصلاحيين من الشيعة للتقارب بين الفرق الإسلامية ويطرحون عدة دلالات تؤيد تخوفهم هذا، منها أن هذه الجهود لا توجد منهم إلا في محيط أهل السنة، ولا يوجد ما يماثلها في محيط الشيعة.
ثم جاء مثل هذا الموقف من الشريط والصمت الموافق ليضيف لهم دليلًا آخرًا لإعادة النظر في هذه الدعوى مرة أخرى فهي تبدو وكأنما يراد بها أن تكون خطوات في اتجاه واحد.
إننا نعلم أن التمايز العقدي بين تراث الشيعة وما هو مدون في كتبهم وبين ما يعتقده أهل السنة مما يصعب ردمه، ولا يمكن مزجه بصيغة توفيقية، ولذلك فإن أي دعوة لتجاوز ذلك لن تكون صادقة ولا ناجحة، إلا إذا وجدت الشجاعة لإدانة كل ما يعارض العلم والعقل والقرآن -وهي قدر مشترك-، ولكن يمكن الاتفاق على صيغة تحفظ حقوق كل فئة وتهيئ لجو من الحوار المجدي، فإذا وجدت مثل هذه الأعمال وما يصاحبها من مباركة الغلاة وصمت دعاة الاعتدال أبعدت حتى هذا الاحتمال.