فهرس الكتاب
المتوكل عن السبب، فقال: لقوله تعالى: {َلقدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةً} (1) وكانت لمواطن هذه الجملة، فإن النبي (غزا سبعًا وعشرين غزاة، وبعث ستا وخمسين سرية. قال المسعودي: نُمى إلى المتوكل بعليّ بن محمد أن في منزله سلاحا من شيعته من أهل قُم وأنه عازم على الملك، فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا، ووجدوه في بيت مغلق عليه وهويقرأ وعليه مُدرعة من صوف، وهوجالس على الرمل والحصى متوجها إلى الله تعالى يتلوالقرآن، فحُمل على حالته تلك إلى المتوكل، وأُدخل عليه وهوفي مجلس الشراب، والكأس في يد المتوكل، فعظَّمه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس، فقال: والله ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني، فأعفاه وقال له: أسمعني صوتا، فقال: {َكمْ تَرَكوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُوُن} . الآيات(2) فقال: أنشدنى شعرًا، فقال: إني قليل الرواية للشعر، فقال لا بد من ذلك، فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غُلْبُ الرجال فما أغنتهم القُلَلُ
واستُنزلوا بعد عزٍمن معاقلهم وأسكنوا حفرًا يا بئس ما نزلوا
ناداهُمُ صارخ من بعد دفنهم أين الأسرَّة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعَّمة من دونها تُضرب الأستار والكِللُ
فأفصح القبر عنهُمْ حين ساءَلُهُمْ تلك الوجوهُ عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا
فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته )) .
(1) الآية 25 من سورة التوبة.
(2) الآية 25 من سورة الدخان.