فهرس الكتاب
الثاني: أن هذه الآية نزلت يوم حنين، والله قد أخبر بما كان قبل ذلك، فيجب أن يكون ما تقدَّم قبل ذلك مواطن كثيرة، وكان بعد يوم حنين غزوة الطائف وغزوة تبوك، وكثير من السرايا كانت بعد يوم حنين كالسرايا التي كانت بعد فتح مكة مثل إرسال جرير بن عبد الله إلى ذي الخلصة وأمثال ذلك.
وجرير إنما أسلم قبل موت النبي (بنحوسنة، وإذا كان كثير من الغزوات والسرايا كانت بعد نزول هذه الآية، امتنع أن تكون هذه الآية المخبرة عن الماضي إخبارا بجميع المغازي والسرايا.
الثالث: أن الله لم ينصرهم في جميع المغازي، بل يوم أحد تولوا، وكان يوم بلاء وتمحيص. وكذلك يوم مؤتة وغيرها من السرايا لم يكونوا منصورين فيها، فلوكان مجموع المغازي والسرايا ثلاثا وثمانين فإنهم لم ينصروا فيها كلها، حتى يكون مجموع ما نصروا فيه ثلاثا وثمانين.
الرابع: أنه بتقدير أن يكون المراد بالكثير في الآية ثلاثا وثمانين، فهذا لا يقتضي اختصاص هذا القدر بذلك؛ فإن لفظ (( الكثير ) )لفظ عام يتناول الألف والألفين والآلاف، وإذا عمَّ أنواعا من المقادير، فتخصيص بعض المقادير دون بعض تحكّم.
الخامس: أن الله تعالى قال: {َمنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة} (1) ، والله يضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف بنص القرآن، وقد ورد أنه يضاعفها ألفى ألف حسنة، فقد سمَّى هذه الأضعاف كثيرة، وهذه المواطن كثيرة.
وقد قال تعالى: {َكمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِين} (2) والكثرة ههنا تتناول أنواعا من المقادير، لأن الفئات المعلومة مع الكثرة لا تحصر في عدد معين، وقد تكون الفئة القليلة ألفا والفئة الكثيرة ثلاثة آلاف، فهي قليلة بالنسبة إلى كثرة عدد الأخرى.
(1) الآية 245 من سورة البقرة.
(2) الآية 249 من سورة البقرة.
(فصل)