فهرس الكتاب
ثم إن هذا باتفاق منهم: سواء قُدِّر وجوده أوعدمه، لا ينتفعون به لا في دين ولا في دنيا، ولا علَّمَ أَحدًا شيئا، ولا يعرف له صفة من صفات الخير ولا الشر، فلم يحصل به شيء من مقاصد الإمامة ولا مصالحها، لا الخاصة ولا العامة، بل إن قدِّر وجوده فهوضرر على أهل الأرض بلا نفع أصلا، فإن المؤمنين به لم ينتفعوا به، ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة، والمكذِّبون به يعذَّبون عندهم على تكذيبهم به، فهوشر محض لا خير فيه، وخلق مثل هذا ليس من فعل الحكيم العادل.
وإذا قالوا: إن الناس بسبب ظلمهم احتجب عنهم.
قيل: أولا: كان الظلم موجودا في زمن آبائه ولم يحتجبوا.
وقيل: ثانيا: فالمؤمنون به طبَّقوا الأرض فهلاَّ اجتمع بهم في بعض الأوقات أوأرسل إليهم رسولا يعلِّمهم شيئا من العلم والدين؟!
وقيل: ثالثا: قد كان يمكنه أن يأوي إلى كثير من المواضع التي فيها شيعته، كجبال الشام التي كان فيها الرافضة عاصية، وغير ذلك من المواضع العاصية.
وقيل: رابعا: فإذا كان هولا يمكنه أن يذكر شيئا من العلم والدين لأحد، لأجل هذا الخوف، لم يكن في وجوده لطف ولا مصلحة، فكان هذا مناقضا لما أثبتوه. بخلاف من أرسل من الأنبياء وكُذِّب، فإنه بلَّغ الرسالة، وحصل لمن آمن به من اللطف والمصلحة ما هومن نعم الله عليه. وهذا المنتَظَر لم يحصل به لطائفته إلا الانتظار لمن لا يأتي، ودوام الحسرة والألم، ومعاداة العالم، والدعاء الذي لا يستجيبه الله، لأنهم يدعون له بالخروج والظهور من مدة أكثر من أربعمائة وخمسين سنة لم يحصل شيء من هذا. ثم إن عمر واحد من المسلمين هذه المدة أمر يعرف كذبه بالعادة المطَّردة في أمة محمد، فلا يُعرف أحد وُلد في دين الإسلام وعاش مائة وعشرين سنة، فضلا عن هذا العمر. وقد ثبت في الصحيح عن النبي (أنه قال في آخر عمره:(( أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هواليوم عليها أحد ) ) (1) .