فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 402

81 -كلام الإمام المجتهد الأمير الصنعاني صاحب"سبل السلام":

يقول رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن عباد القبور، ونفي أعذارهم بالجهالة، لأن شركهم في المسائل الظاهرة:"فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه قلت: قد خرّج الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها، وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارًا كفرًا أصليًا، فالله تعالى فرض على عباده إفراده بالعبادة: (أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللّهَ) [اهود: 26] وإخلاصها: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: 5] ومن نادى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، وخوفًا وطمعًا، ثم نادى غيره فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) [غافر: 60] بعد قوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: 60] " [1] .

وقد اعترض بعض المتأخرين بأن الشيخ رحمه الله متناقض في كلامه مخالف لجمهور العلماء، وليس في كلامه أدنى تناقض؛ فقد ذكر أن من تكلم بكلمة الكفر كفر وإن لم يقصد؛ في معرض حديثه عن عباد القبور، وليس في ذلك مخالفة لكلام جماهير العلماء، بل هو موافق لأقاويلهم التي نقلناها لك بكاملها في فصل: (مناقشة اشتراط المقاصد) ، وهو الذي أشار إليه ابن تيمية بقوله:"فبالجملة فمن قال، أو فعل ما هو كفر كفر، وإن لم يقصد ذلك؛ إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله" [2] .

(1) - تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد: (ص35 - 36) . تحقيق محمد حامد الفقي ط السنة المحمدية.

(2) - الصارم المسلول على شاتم الرسول: (ص178) ط دار أنس بن مالك. وادّعى بعض من كتب في هذه المسألة أن الصنعاني رجع عن قوله هذا، وأنه قال إن كفر عُباد القبور من باب كفر العمل، وليس من باب كفر الاعتقاد (راجع هذا القول في رسالة سعة رحمة رب العالمين لسيد الغباشي) وقد رد على هذا الكلام المنسوب للصنعاني في رجوعه الشيخ عبد الرحمن الدوسري في (تعليقه على صيانة اللسان) (ص170) وقد رد ذلك الشيخ سليمان بن سحمان النجدي في (تبرئة الشيخين) (ص197) وعلق على نسبة الشوكاني رحمه الله تعالى للصنعاني هذا الكلام وكذلك رد نسبة هذا الكلام الشيخ سليمان بن عبد الله النجدي في (توحيد الخلاق) (ص177، 178) ونسبه لعبد الله الراوي من أعداء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب راجع أيضًا (دعاوي المناوئين) (ص39) ط دار الوطن.

واعترضوا أيضًا بأنه أوجب دعاء القبورين قبل قتالهم، وفي إيجابه لدعائهم تناقض مع قوله أنهم كفار كفرًا أصليًا، أما القول بدعوة هؤلاء قبل قتالهم فليس فيه ثمة تناقض؛ إذ أن الدعوة قبل القتال شيء، وعدم إعذارهم بالجهالة فيما فعلوه شيء آخر، ومسألة الدعوة قبل القتال فيها خلاف مشهور معروف بين الفقهاء، ولم يقل أحد ممن اشترط دعوة الكفار الأصليين قبل قتالهم أنه بذلك يحكم بإسلامهم، وهذا واضح كل الوضوح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت