فهرس الكتاب
فانظر إلى كلام الإمام الشوكاني السابق الذي أوضح رحمه الله فيه أن كل طوائف الشرك إنما أوقعهم في الشرك اعتقاد الجهل، وأن هذا الاعتقاد ليس بعذر لهذه الطوائف، حتى يكون عذرًا للمتأخرين من عباد القبور المعتقدين في الأموات جهلًا، وشاهد قول الشوكاني:"وهل يقول قائل أن اعتقادهم اعتقاد علم حتى يكون اعتقاد الجهل عذرًا لإخوانهم المعتقدين في الأموات"ويتضح أيضًا من قوله أنه قد أوضح أسباب الردة، وأنه لا يعتبر في ثبوت الردة العلم بما قاله من ألفاظ الكفر أو الشرك، وإن كان الواجب على أهل العلم تبليغ الحجة الشرعية لهؤلاء الجهال، والشاهد قوله:"لا يخفى عليك ما تقرر في أسباب الردة أنه لا يعتبر في -ثبوتها العلم بمعنى ما قاله".
فهذه صفة كلام الإمام في المسائل الظاهرة، أما صفة كلامه في المسائل الخفية، وكذلك في مسائل الشرك الأصغر، وكذلك في بعض الأفعال التي نص الشارع على أنها كفر، من باب التغليظ، فإنه يعذر القائل والفاعل بالجهل وعدم القصد، ويوضح أن في هذا النوع من المسائل لا بد من الرجوع إلى نية قائله ومقصده قبل الحكم عليه بالكفر، مثل قول بعض أهل العلم إن الحلف بغير الله يخرج عن ملة الإسلام، فيقول الشوكاني في هذا النوع:"فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريق الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ يلفظ به المسلم يدل على الكفر، وهو لا يعتقد معناه" [1] .
ومما يدل على أن الإمام الشوكاني لم يكن يتكلم عن مسائل الكفر أو الشرك الأكبر الذي يخرج عن ملة الإسلام، أنه قال بعد ذلك مباشرة:"فإن قلت: قد ورد في السنة ما يدل على كفر من حلف بغير ملة الإسلام، وورد في السنة المطهرة ما يدل على كفر من كفر مسلمًا -كما تقدم-، وورد في السنة المطهرة إطلاق الكفر على من فعل فعلًا يخالف الشرع .. وكل ذلك يفيد أن صدور شيء من هذه الأمور يوجب الكفر، وإن لم يُرِد قائله أو فاعله الخروج من الإسلام إلى الكفر. قلت -أي الشوكاني-: إذا ضاقت عليك سبل التأويل، ولم تجد طريقًا تسلكها في مثل هذه الأحاديث، فعليك أن تقرّها كما وردت، وتقول من أطلق عليه رسول الله اسم الكفر فهو كما قال .." [2] .
وبهذا تعلم أنه ليس هناك ثمت تناقض بين أقاويل الإمام كما ادّعى البعض إذا فُهم كل منها على الوجه الصحيح الذي يريده الإمام، ونُزِّل كل قول على مناطه الصحيح، فمناط
(1) - الروضة الندية شرح الدرر البهية: (2/ 291) للشيخ صديق حسن خان ط التراث.
(2) - الروضة الندرية: (2/ 292) .