ومما قرره العلماء أن الجهل لا يكون عذرًا مطلقًا، وإلا كان خيرًا من العلم قال الشافعي رحمه الله تعالى: (لو عُذِر الجاهل لأجل جهله لكان الجهل خيرًا من العلم، إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف ويريح قلبه من ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله الحكم بعد التبليغ والتمكين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) [1] ، وقد فرق العلماء بين جهل المسلم بأحكام الإسلام في دار الإسلام، فلم يعتبروه عذرًا بخلاف جهله في دار الحرب، فإنه يعتبر عذرًا على تفصيل، وذلك لأن دار الإسلام محل لشهرة الأحكام بخلاف دار الحرب، فإنها ليست محلًا لشهرة أحكام الإسلام وقال العلماء:"لأن دار الحرب ليست بمحل استفاضة بأحكام الإسلام، فيعتبر الجهل بالخطاب عذرًا لأنه غير مقصر في طلب الدليل، وإنما جاء الجهل من قبل خفاء الدليل في نفسه حيث لم يشتهر في دار الحرب بسبب انقطاع التبليغ عنهم" [2] . وقد نقل الزحيلي عن الفقهاء قولهم: لأن دار الحرب ليست بمحل لشهرة الأحكام والعلم بها [3] "."
وبعد هذا العرض الموجز لمعاني الجهل لغة، واصطلاحًا، وكذلك الأحوال التي تحدث فيها الفقهاء عن الجهل باعتباره عذرًا، وباعتباره ليس بعذر يتضح لنا:
إن مسألة الجهل، واعتباره من الأعذار تكتنفها عدة أمور لا بد من ملاحظتها:
1 -نوعية المسألة المجهولة: معلومة من الدين بالضرورة، أم غير معلومة.
2 -المحل الذي وقع فيه الجهل: دار الحرب، أم دار الإسلام.
3 -كون المسألة مشتهرة، أو غير مشتهرة وعبر عنها العلماء: ما يشترك غالب الناس في علمه، وما لا يشترك غالب الناس في علمه.
4 -كون المسألة مما يقع فيها الخطأ والجهل عن اجتهاد صحيح، أو كونها لا يقع فيها الاجتهاد لمخالفتها المشهور من الكتاب والسنة والإجماع، ويطلق عليه العلماء (المسائل التس محل اجتهاد، والمسائل التي لا مساغ للاجتهاد فيها) .
(1) - المنثور في القواعد للزركشي (2/ 15 - 16) ط1/ المجلس الأعلى بالكويت""
(2) - راجع عوارض الأهلية (ص348 - 349) نظرية الضرورة الشرعية لوهبة الزحيلي (ص118 - 119) .
(3) - المرجع السابق (ص119) .