فهرس الكتاب
5 -ويقول ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية رحمه الله:"كما غُفِر للذي قال: إذا مت فاسحقوني ثم اذروني، ثم غفر الله له لخشيته، وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته أو شك في ذلك" [1] .
المذهب الثاني: تفسير لفظ (قدر) بمعنى (ضيّق) أو (قضى) .
وهم الذين ذهبوا إلى تفسير ما ورد في القسم الأول من رواية حديث الذي ذري نفسه، التي ذكر فيها لفظ:"لئن قدر عليّ ربي"، واحتجوا بروايات أخرى للحديث نفسه، تدل على أن الرجل لم يشك في قدرة الله كما هو ظاهر لفظ رواية القسم الأول وفسروا لفظ"قدر"بتفسيرين.
الأول: أن"قَدِر"هنا بمعنى قضى، فيكون المعنى لئن قضى علي العذاب ليعذبنني.
الثاني: إن"قدر"بمعنى ضيق، فيكون المعنى لئن ضيّق الله علي فأعادني وهو قادر على أن يعيدني ليعذبنني.
وإليك نصوص هؤلاء العلماء الذين ذهبوا إلى هذبن التأويلين:
قال ابن عبد البر وتبعه السيوطي في تنوير الحوالك في شرح الموطأ للإمام مالك:
"إن قدر الله عليه"، قال ابن عبد البر: هو القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة والاستطاعة، كقوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء: 87] ، وقيل: بمعنى ضيق، كقوله تعالى: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) [الطلاق: 7] [2] ، -انتهى كلامهما بلفظه-.
يقول الإمام القسطلاني رحمه الله:"قوله:"وإن يقدر الله علي": أي إن يضيق الله عليه، فهو قدر يقدر بمعنى ضيق عليه، ومنه قوله تعالى: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) أي ضيق عليه، وليس ذلك شكأ منه في قدرة الله على إحيائه، ولا إنكارًا للبعث، وإلا لم يكن موقنًا، وقد أظهر إيمانه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله تعالى" [3] .
(1) - شرح الطحاوية (ص258) ط/ المكتب الإسلامي.
(2) - تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك (1/ 238 - 239) ط/ عيسى الحلبي.
(3) - إرشاد الساري شرح صحيح البخاري (10/ 439) وما بعدها نقلًا عن الأحاديث القدسية (1/ 90) .