فهرس الكتاب
ويقول الحافظ ابن الجوزي رحمه الله في إحدى أجوبته في هذا الحديث معتمدًا على الوجه المتقدم سابقًا في معنى ضيق، فيقول:"جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا، وإنما قيل إن معنى قوله:"لئن قدر الله علي"أي ضيق، وهي كقوله: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) [الطلاق: 7] أي ضيق، وأما قوله:"لعلي أضل الله"، فمعناه: لعلي أفوته، يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب، وهو كقوله: (لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) [طه: 52] [1] ."
ثم ذكر الإمام ابن الجوزي أوجهًا أخرى في الجواب عن هذا الحديث ستأتيك في موضعها.
ويقول الإمام النووي رحمه الله ناقلًا عن جماعة من شراح مسلم:
"اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله، فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر، وقد قال في آخر إنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله تعالى، ولا يغفر له، قال هؤلاء: فيكون له تأويلان:"
أحدهما: أن معناه لئن قدر علي العذاب: أي قضاه، يقال: منه قدر بالتخفيف، وقدّر بالتشديد، بمعنى واحد.
والثاني: أن قدر هنا بمعنى ضيق علي، قال الله تعالى: (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) [الفجر: 16] ، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء: 87] [2] .
وقد حكى الإمام النووي أوجهًا أخرى ستأتي في مواضعها.
ويقول الإمام الحسيني صاحب"مكمل إكمال الإكمال"في شرح مسلم، ناقلًا عن الإمامين الحافظين أبي عبد الله الأبيّ والمازري:
"ولا يستدل بثبوتها -أي الخشية والخوف- على نفي الكفر، فإن كثيرًا من الكفرة ممن يعتقد التجسيم وغيره مما يستحيل في حق الله لهم خشية، إلا أن نقول أن الخشية أخص من"
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري نقلًا عن ابن الجوزي (13/ 289 - 290) . وقد نقل صاحب"العذر بالجهل عقيدة السلف"قول ابن الجوزي، وهو جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا، وأغفل عن عمد -فيما هو ظاهر- ما بعده مما يرد اتفاقه المزعوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون! راجع (ص51) من كتابه.
(2) - شرح مسلم، للنووي: (17/ 71) من الطبعة المصرية.