فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 402

الخوف، على ما أشار إليه ابن الخطيب في تفسيره من أن الخشية هي الخوف التابع للمعرفة، ولذا قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) [فاطر: 28] ، فقد يصح ما قاله الأبي والمازري -أي في تأويل الحديث على هذا الوجه من أن الرجل لم يكن شاكًا في القدرة، وقد ظهر لي جواب آخر في عدم كفر هذا الرجل وهو قريب مناسب للفظ الحديث وذلك أن الرجل لم يكن يشك في ثبوت القدرة لله تعالى، ولا في كونه تعالى قادرًا .." [1] -ثم ذكر جوابه الذي ذكرناه لك قبل ذلك- واعتمد الإمام الأبي في كتابه"مكمل إكمال المعلم"واعتمد نفس الأوجه التي اعتمدها الإمام النووي في إثبات أن الرجل لم يشك في قدرة الله تعالى [2] ."

ويقول القاضي عياض بعد أن نقل خلاف العلماء في تكفير جاهل الصفة، وعزاه إلى ابن جرير الطبري، وأبي الحسن الأشعري، وطائفة من علماء المالكية بالمغرب، ثم ذكر ردهم على الذين احتجوا بحديث الذي ذر نفسه، فقال القاضي:

"وقد أجاب الآخر -يقصد الفريق الذي ذهب إلى تكفير من نفى صفة من صفات الله عن هذا الحديث بوجوه، منها: أن"قدر"بمعنى"قدّر"، ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه، بل في نفس البعث الذي لا يُعلم إلا بشرع، ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه، فيكون الشك به حينئذ فيه كفرًا، فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول، أو يكون"قدر"بمعنى: ضيّق، ويكون ما فعله بنفسه إزراء عليها، وغضبًا لعصيانها" [3] .

ويقول الإمام القرطبي معتمدًا لهذين الوجهين، فقال في تفسير قوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء: 87] ، فقال: قلت: وهذان التأويلان -يقصد ضيّق وقدّر- تأولهما العلماء في قول الرجل الذي لم يعمل خيرًا قط لأهله: إذا متُّ فحرّقوني، فوالله لئن قدر الله علي -الحديث-، فعلى التأويل الأول يكون تقديره: والله لئن ضيّق الله علي، وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي، ليكونن ذلك، ثم أمر أن يحرق بإفراط خوفه، وعلى التأويل الثاني: أي لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين غيري، وحديثه خرّجه الأئمة في الموطأ وغيره، والرجل كان مؤمنًا موحدًا، وقد جاء في بعض طرقه:"لم يعمل خيرًا إلا التوحيد"، وقد قال حين قال الله تعالى:"لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب، والخشية لا تكون إلا"

(1) - مكمل إكمال الإكمال، في شرح مسلم: (7/ 160) للإمام الحسيني.

(2) - إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم: (7/ 159) للإمام الأبي.

(3) - الشفا، للقاضي عياض: (2/ 1083) ط الحلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت