فهرس الكتاب
لمؤمن مصدق، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) [فاطر: 28] " [1] أ. هـ. بلفظه."
فهذا كلام الإمام القرطبي واضح في أن الرجل لم يشك في قدرة الله، ولم يرتكب كفرًا، بل كان مؤمنًا موحدًا موقنًا، فعل ذلك من خشيته من الله تعالى، وقد اعتمد في ذلك على الوجه الذي قدمناه لك في معنى"قدر"بمعنى ضيق، أو قضى.
وفي ختام ذكر هذا المذهب نذكر الحجج التي احتج بها أصحاب هذا المذهب في تفسيرهم الذي ذكروه.
الأول: أنه قد جاء في طريق البخاري الذي أخرجه من حديث أبي سعيد قوله:"وإن يقدم على الله يعذبه" [2] .
والثاني: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد في القصة نفسها:"فإني لم أبتهر عند الله خيرًا، وإن الله يقدر علي أن يعذبني"، وهذه اللفظة ثابتة بنصها في جميع نسخ صحيح الإمام مسلم، وكذا أثبتها بنصها الإمام الحافظ القرطبي في تلخيص صحيح مسلم (2/ 1218) ، يقول الإمام النووي ذاكرًا حجتهم من هذه الرواية، فيقول بعد كلام له في اختلاف الشراح لها:"وقيل هو على ظاهره بإثبات (أن) في الموضعين، والأولى مشددة، ومعناه: أن الله قادر على أن يعذبني، ويكون هذا على قول من تأول الرواية الأولى على أنه أراد بقدر: ضيق أو غيره مما ليس فيه نفي حقيقة القدرة" [3] .
فوجه احتجاجهم بهاتين الروايتين أنهما ليستا فيهما ما يدل على ما جاء في ظاهر الروايات الأخرى، من أن الرجل شك في قدرة الله، ومن المرجحات التي اعتمدوا عليها موافقة لغة العرب وظاهر القرآن، لهذا التأويل.
وقد اعترض شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم رحمه الله على هذا المذهب الذي يقول بتأويل قدر بمعنى ضيق أو بمعنى قضى باعتراضين، ملخصهما:
(1) - تفسير الإمام القرطبي: (5/ 43) ط دار الشعب.
(2) - راجع الفتح (24/ 104) .
(3) - صحيح مسلم بشرح النووي: (17/ 74) .