فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 402

وقد ذكر هذا التأويل عن حبر الأمة ابن عباس، حيث إنه فسر قدر بمعنى ضيق، وهو أعلم الناس بلغة العرب،"سأل عنها مروان بن عباس: هل شك في قدرة الله؟ فقال: لا، وإنما معناه: فظن أن لن نضيّق" [1] .

وبهذا تعلم أن قدر تأتي في لغة العرب بمعنى ضيّق وقضى، كما سبق نقله عن أئمة اللغة الذين هم أعلم في هذا الباب من غيرهم، وهو مروي عن حبر الأمة ابن عباس وجمهور العلماء، واعتمده القرطبي، وفسر به الحديث الذي نحن بصدده، وبذا يتبين لك خطأ من يقول من أن لفظ قدر بمعنى ضيّق لا أصل له في اللغة.

ونختم الكلام في اعتماد هذا الوجه بما قاله العلامة الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي خادم السنة في تعليقه على موطأ مالك على هذا الحديث بقوله: (لئن قدر الله عليه) : من القضاء، لا من القدرة والاستطاعة، كقوله: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء: 87] ، أو بمعنى ضيق، كقوله تعالى: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) [الطلاق: 7] " [2] ."

الإجابة عن الاعتراض الثاني:

أما اعتراض ابن تيمية وابن حزم رحمهما الله بأنه لو سَلِم لهم أن تكون قدر بمعنى ضيّق لما كان في أمره بالتحريق لنفسه والذر بعد موته فائدة، فقد أجاب أصحاب المذهب الثاني عنه بأن ما فعله بنفسه إزراء لها، وتحقيرًا وغضبًا عليها، لإسرافها في العصيان، أو قد يكون ذلك جائزًا في شرعهم تصحيحًا وتتمة للتوبة.

وفي ذلك يقول الحافظ ابن أبي جمرة مجيبًا عن هذا الاعتراض بقوله:"فلعله كان جائزًا في شرعهم ذلك لتصحيح التوبة، فقد ثبت في شرع بني إسرائيل قتلهم أنفسهم لصحة التوبة" [3] .

ويقول القاضي عياض -حاكيًا عن علماء المالكية وابن جرير جوابهم عن هذا الاعتراض-:

"ويكون ما فعله بنفسه إزراء عليها وغضبًا لعصيانها" [4] .

(1) - حد الإسلام (ص572) ، وتفسير القرطبي (5/ 4371 - 4372) .

(2) - من تحقيق الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي على الموطأ (1/ 240) ط/ عيسى الحلبي.

(3) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري (24/ 106) .

(4) - الشفا (2/ 277) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت