فهرس الكتاب
ويقول النووي ناقلًا عن شراح مسلم قولهم:
"إنما وصّى بذلك تحقيرًا لنفسه، وعقوبة لها لعصيانها وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالى" [1] .
فتحصّل من أجوبة العلماء أن الرجل فعل ذلك ليكفّر عما قصّر في جنب الله، كما ورد في النص"أنه لم يعمل خيرًا قط"، وفي رواية"لم بيتئر"، بمعنى: لم يدّخر عملًا صالحًا يلقى به الله توبة منه إلى الله وإنابة إليه، فغفر الله له ما قد قصر فيه من عمل الصالحات، وبذا تعلم تقرير هؤلاء العلماء أنه"أي الرجل"لم يفعل ذلك لظنه أنه قد يعجز الله فلا يقدر على جمعه أو إعادته.
المذهب الثالث: استعمال الرجل لأسلوب مزج الشك باليقين:
قال بعض العلماء إن الرجل لم يشك في قدرة الله، وإنما استعمل أسلوبًا من الأساليب الشائعة في لغة العرب، وهو أسلوب مزج الشك باليقين، ومعناه إيهام السامع بالشك للوصول إلى اليقين، مع كونه موقنًا في الحقيقة، ليس بشاك.
قال الإمام النووي رحمه الله حاكيًا عن شراح مسلم هذا الوجه:"وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب، وبديع استعمالها، يسمونه: مزج الشك باليقين، كقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [سبأ: 24] فصورته صورة شك، والمراد به اليقين" [2] .
ويقول القاضي عياض حاكيًا هذا المذهب عن بعض العلماء:
"وقيل: بل هذا من مجاز كلام العرب الذي صورته الشك، ومعناه: التحقيق، وهو يسمى تجاهل العارف، وله أمثلة في كلامهم، كقوله تعالى: (لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: 44] ، وقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [سبأ: 24] " [3] .
(1) - شرح مسلم (17/ 72) .
(2) - النووي في شرح مسلم (17/ 71) .
(3) - الشفا (2/ 278) .