فهرس الكتاب
يقول الحافظ إسحاق الشيرازي الشافعي في أصول الفقه تحت عنوان: وجوه الترجيح بالإسناد:
والتاسع: أن يكون أحد الراويين أورع أو أشد احتياطًا فيما يروي؛ فتقدم روايته لاحتياطه في النقل. والعاشر: أن يكون أحدهما قد اضطرب لفظه، والآخر لم يضطرب؛ فيقدم من لم يضطرب لفظه؛ لأن اضطراب لفظه يدل على ضعف حفظه" [1] ."
وبتطبيق هذه القاعدة يترجح لك بجلاء تقديم وترجيح الرواية التي رواها مسلم في صحيحه، والتي فيها تقديم لفظ"نعم"على لفظ"قال"، على رواية النسائي التي جعل فيها لفظ"نعم"من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ووجه الترجيح والتطبيق لهذه القاعدة، أن من المعلوم عند أهل العلم بلا خلاف أن الإمام مسلم يمتاز عن غيره من أصحاب الكتب الأخرى بشدة ضبطه، وتحريه للألفاظ، واختلاف الرواة في روايتهم لسياق الأحاديث.
وفي ذلك يقول النووي موضحًا شدة وإتقان الإمام مسلم رحمه الله في ضبط الروايات، فيقول في مقدمته لشرح مسلم (1/ 11) :
"ومن حقق نظره في صحيح مسلم رحمه الله واطلع على ما أودعه في أسانيده، وترتيبه، وحسن سياقته، وبديع طريقته؛ من نفائس التحقيق، وجواهر التدقيق، وأنواع الورع، والاحتياط، والتحري في الرواية، وتلخيص الطرق، واختصارها، وضبط متفرقها .. علم أنه إمام لا يلحقه من بَعُدَ عن عصره، وقل من يساويه، بل يدانيه من أهل وقته ودهره".
ويقول الحافظ ابن حجر في"تهذيب التهذيب"موضحًا شدة ضبط الإمام مسلم في أداء الألفاظ، وعدم اعتماده على الرواية بالمعنى، فيقول:
"قلت: قد حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط، لم يحصل لأحد مثله، بحيث إن بعض الناس كانوا يُفضِّلونه على صحيح محمد بن إسماعيل (أي: البخاري) ، وذلك لما اختص به من جمع الطرق، وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي، من غير تقطيع، ولا رواية بالمعنى، وقد نسج على منواله خلف من النيسابوريين فلم يبلغوا شأنه، وحفظت منهم أكثر من عشرين إمامًا مما صنف المستخرج على مسلم، فسبحان المعطي الوهاب" [2] .
(1) - اللمع في أصول الفقه، للحافظ الشيرازي: (ص80) ط دار الندوة الإسلامية بالكويت.
(2) - تهذيب التهذيب: (10/ 127) .