فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 402

ويقول الحافظ أيضًا في موضع ثان، عن شدة تحرز الإمام مسلم في الألفاظ والسياق، فيقول في معرض كلامه على تفضيل بعض الحفاظ لصحيح الإمام مسلم، فيقول:"إنما قُدِّم صحيح مسلم لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة؛ بل ذلك لأن مسلمًا صنف كتابه في بلده، بحضور أصوله في حياة كثير من مشابخه، فكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق" [1] .

ويقول النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم ما نصه:

"ومن ذلك اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة، كقوله: حدّثنا فلان وفلان، واللفظ لفلان قال، أو قالا حدّثنا فلان، وكما إذا كان بينهما اختلاف في حرف من متن الحديث، أو صفة الراوي، أو نسبة، أو نحو ذلك؛ فإنه يبينه وربما كان بعضه لا يتغير به معنى، وربما كان في بعضه اختلاف في المعنى، ولكن كان خفيًا، لا يتفطن له الإ ماهر في العلوم" [2] .

فعلى ذلك الذي قدمناه، إذا تعارض الخبر الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه، مع خبر آخر يرويه غيره، فإن خبر الإمام مسلم يرجح على خبر غيره لما أثبتناه من شدة إتقانه، وتحريه، وتحرزه في نقل سياق متون الأحاديث، بخلاف غيره من الأئمة؛ فإنهم لم يبلغوا هذه الدرجة العالية كما نقلنا عن الحافظ ابن حجر رحمه الله.

وبالتالي فإننا بعد ما قدمناه نستطيع أن نرجح أن لفظ"نعم"هو من تتمة كلام عائشة رضي الله عنها، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في رواية النسائي وأحمد، فقد يكون ذلك التقديم والتأخير الذي حدث لكلمتي"نعم"و"قال"من عدم تحري بعض الرواة، وعدم احترازهم في الرواية، ولا يمكن أن يقع ذلك في رواية مسلم؛ لأنه -كما قدمنا من كلام أهل العلم كالنووي وابن حجر من أن الإمام مسلم رحمه الله شديد الضبط والتحرز، وضبط اختلاف الرواة في سياق متون الأحاديث حتى وإن كان هذا الاختلاف لا يؤثر في المعنى، بينما غيره لم بلغ هذا المبلغ، وهذا الاشتراط عند روايته لسياق الأحاديث، لا سيما في الأحاديث الطوال، لذلك نستطيع على ضوء هذه القاعدة أن نرجّح أن لفظة"نعم"من تتمة كلام عائشة رضي الله عنها، وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأنها من رواية مسلم، وقد عرفت اشتراطه وشدة ضبطه لاختلاف الرواة، وهذا كاف في ترجيح روايته عند التعارض على رواية غيره، لا سيما وأن جميع نسخ صحيح الإمام مسلم مثبت فيها تقديم لفظ"نعم"على لفظ"قال"، وقد نص على ذلك الإمام النووي في شرح مسلم: (7/ 44) ، والأبي في"مكمل إكمال المعلم"في

(1) - الإلزامات والتتبع، للدارقطني: (ص39) من مقدمة المحقق.

(2) - شرح مسلم، للإمام النووي: (1/ 22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت