فهرس الكتاب
وقبل أن نناقش هذا الكلام، لا بد أن نقرر قاعدة مهمة أشار إليها أهل العلم، كالنووي، والحافظ ابن الصلاح، والسخاوي وغيرهم في معرض كلامهم عن كيفية إخراج مسلم للحديث، وكيفية معرفة الطريق الذي اعتمد عليه مسلم، وتمييزه عن الطرق الأخرى التي يوردها من باب المتابعات، والشواهد التي يوردها من باب الاستقصاء، وليس من باب الاحتجاج، وإنما احتجاجه بالإسناد الصحيح.
يقول الإمام النووي رحمه الله مقررًا هذه القاعدة التي أشرنا إليها:
"واعلم أنه يدخل في المتابعات والاستشهاد رواية بعض الضعفاء، ولا يصلح لذلك كل ضعيف، وإنما يفعلون هذا لكون التابع لا اعتماد عليه، وإنما الاعتماد على من قبله" [1] .
ويقول الإمام النووي مقررًا هذا الأمر نقلًا عن الإمام الحافظ ابن الصلاح:
"الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في المتابعات والشواهد لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولًا، بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلًا، ثم يتبعه بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة" [2] .
ويقول الحافظ السخاوي رحمه الله مقررًا ما قرره الإمام النووي والإمام ابن الصلاح:"وإنما يفعلون هذا -أي إدخال الضعفاء والشواهد -لكون التابع لا اعتماد عليه" [3] .
فإذا تقرر لديك هذه القاعدة علمت خطأ كلام صاحب الكتاب المذكور في دعواه أن طريق أحمد هو نفس طريق الإمام مسلم؛ لأن مسلمًا إنما ذكر إسناد أحمد وهو حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عبد الله رجل من قريش عن محمد بن قيس بن مخرمة عن عائشة رضي الله عنها، ذكر هذا الإسناد من باب المتابعات؛ لأنه قد اشتهر رحمه الله كما قال الحافظ ابن حجر، بالاستقصاء لطرق الأحاديث، وحتى وإن كان في بعض طرقها كلام، فهذا الإسناد -أعني إسناد أحمد الذي ذكرناه- إنما ذكره الإمام مسلم من باب المتابعة، وليس من باب الاعتماد عليه، وإنما كان اعتماده على الإسناد الصحيح الذي ذكره وهو:
(1) - شرح مسلم: (1/ 34) .
(2) - شرح مسلم: (1/ 25) .
(3) - فتح المغيث: (1/ 209) ط بيروت.