فهرس الكتاب
جهلها، كما أوضح ذلك في غير موضع من"الفروق"؛ وهذا العلامة أبو بطين النجدي الحنبلي يوضح أن القائل بأن مرتكب الكفر المتأول أو الجاهل أو المخطئ معذور بالجهالة -فقوله مخالف للكتاب، والسنة، والإجماع، وحكى إجماع المسلمين على ذلك من غير استثناء الجاهل، وأوضح أن المستثني للجاهل من عموم هذا الإجماع مشاق لله ولرسوله، خارج عن سبيل المؤمنين، وذكر أن ذلك قول كل الفقهاء من كل مذهب، وهذا الشيخ رشيد رضا رحمه الله ينقل اتفاق علماء الأمة على أن الجهل في الأمور القطعية، المجمع عليها ليس بعذر للمقصر في تعلمها.
الأمر الثاني: أن العلماء في معرض حديثهم عن قضية العذر بالجهالة قد أوضحوا أن القول بعدم الإعذار بالجهالة في المسائل الظاهرة هو قول عامة أهل العلم إلا من شذ، أو هو القول المشهور من المذاهب، أو هو القول الأظهر، أو هو قول عامة أهل العلم، خلافًا للبعض مما يقتضي ذلك أنه هو القول الأظهر والأرجح في المسألة؛ فهل يعقل أن يكون عامة أهل العلم، وجماهيرهم، ومشاهير مذاهبهم جاهلون بهذا الإجماع، مخالفون له؟ وكيف يكون إجماعًا وقد خالف فيه عامة أهل العلم من الأئمة الأعلام.
وإليك طرفًا من نصوص العلماء الأعلام التي توضح هذا الأمر، وقد نقلناها لك بطولها:
1 -يقول الإمام صدر الدين القونوي الحنفي تلميذ الحافظ ابن كثير، مقررًا أن عدم العذر بالجهل هو قول عامة العلماء من الأحناف، يقول:
"ولو تلفظ بكلمة الكفر طائعًا، غير معتقد له يكفر؛ لأنه راض بمباشرته، وإن لم يرض بحكمه كالهازل به، فإنه يكفر وإن لم يرض بحكمه، ولا يعذر بالجهل وهذا عند عامة العلماء، خلافًا للبعض" [1] ، والشاهد قوله:"وهذا عند عامة العلماء".
(1) - شرح الفقه الأكبر، لملا علي القاري: (ص241) ط بيروت، وينقل أبو بطين النجدي إجماع العلماء على كفر عُباد القبور وعدم عذرهم بالجهل، فيقول:"كل من فعل اليوم ذلك عند المشاهد فهو مشرك كافر بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، ونحن نعلم أن من فعل ذلك ممن ينسب إلى الإسلام، أنه لم يوقعهم في ذلك إلا الجهل، فلو علمها أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد، وأنه من الشرك الذي حرمه الله لم يقدموا عليه، فكفرهم جميع العلماء، ولم يعذروهم بالجهل كما يقول بعض الضالين إن هؤلاء معذورون لأنهم جهال"الدرر السنية: (10/ 415) .