فهرس الكتاب
شاة مثلًا لغير الله، وقد دل الكتاب والسنة على أن من مات على الشرك لا يغفر له، ويخلد في النار لقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: 48] وقوله: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) [التوبة: 17] .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم [1] .
فتوى رقم 11043
(تفصيل القول في مسألة العذر بالجهل)
3 -س: عندنا تفشيّ ظاهرة عبادة القبور وفي نفس الوقت وجود من يدافع عن هؤلاء، ويقول إنهم مسلمون معذورون بجهلهم فلا مانع من أن يتزوجوا من فتياتنا، وأن نصلي خلفهم، وأن لهم كافة حقوق المسلم على المسلم، ولا يكتفون بذلك، بل يسمون من يقول بكفر هؤلاء إنه صاحب بدعة يعامل معاملة المبتدعين، بل ويدّعون أن سماحتكم تعذرون عبّاد القبور بجهلهم، حيث أقررتم مذكرة لشخص يُدعى (الغباشي) يعذِرُ فيها عباد القبور، لذلك أرجو من سماحتكم إرسال بحث شاف كاف تبين فيه الأمور التي فيها العذر بالجهل من الأمور التي لا عذر فيها، كذلك بيان المراجع التي يمكن الرجوع إليها في ذلك ولكم منا جزيل الشكر.
جـ: الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد:
يختلف الحكم على الإنسان بأنه يعذر بالجهل في المسائل الدينية، أو لا يعذر باختلاف البلاغ وعدمه، وباختلاف المسألة نفسها وضوحًا وخفاء، وتفاوت مدارك الناس قوة وضعفًا، فمن استغاث بأصحاب القبور دفعًا للضر، أو كشفًا للكرب بُيِّن له أن ذلك شرك، وأُقيمت عليه الحجة أداء لواجب البلاغ، فإن أصرّ بعد البيان فهو مشرك يعامل في الدنيا معاملة الكافرين، واستحق العذاب الأليم في الآخرة إذا مات على ذلك قال الله تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: 165] وقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] وقوله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) [الأنعام: 19] وثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" [2] رواه مسلم، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب البيان، وإقامة الحجة قبل المؤاخذة، ومن عاش في بلاد يسمع فيها الدعوة إلى الإسلام، وغيره ثم لا يؤمن ولا يطلب الحق من أهله فهو في حكم من بلغته الدعوة الإسلامية، وأصر على الكفر، ويشهد لذلك عموم حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدّم، كما يشهد له ما قصه الله تعالى من نبأ قوم موسى إذ أضلهم السامري فعبدوا العجل، وقد استخلف فيهم أخاه هارون عند ذهابه لمناجاة الله، فلما أنكر عليهم عبادة العجل قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فاستجابوا لداعي الشرك، وأبوا أن يستجيبوا لداعي التوحيد، فلم يعذرهم الله في استجابتهم لدعوة الشرك، والتلبيس عليها فيها لوجود الدعوة للتوحيد إلى جانبها مع قرب العهد بدعوة موسى إلى التوحيد.
ويشهد لذلك أيضًا ما قصه الله من نبأ نقاش الشيطان لأهل النار، وتخليه عنهم وبراءته منهم قال الله تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم: 22] ، فلم يعذروا بتصديقهم وعد الشيطان مع مزيد تلبيسه وتزيينه للشرك، وإتباعهم لما سوّل لهم من الشرك لوقوعه إلى جانب وعد الله الحق بالثواب الجزيل لمن صدّق وعده فاستجاب لتشريعه واتبع صراطه السوي.
ومن نظر في البلاد التي انتشر فيها الإسلام، وجد من يعيش فيها يتجاذبه فريقان: فريق يدعوا إلى البدع على اختلاف أنواعها شركية، وغير شركية ويُلْبس على الناس ويُزيّن لهم بدعته بما استطاع من أحاديث لا تصح، وقصص عجيبة غريبة يوردها بأسلوب شيق جذاب، وفريق يدعو إلى الحق والهدى ويقيم على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، ويبيّن بطلان ما دعا إليه الفريق الآخر وما فيه من زيف، فكان في بلاغ هذا الفريق، وبيانه الكفاية في إقامة الحجة وإن قلّ عددهم، فإن العبرة ببيان الحق بدليله، لا بكثرة العدد فمن كان عاقلًا وعاش في مثل هذه البلاد، واستطاع أن يعرق الحق من أهله إذا جدّ في طلبه وسلم من الهوى، والعصبية، ولم يغتر بغنى الأغنياء، ولا بسيادة الزعماء، ولا بوجاهة الوجهاء، ولا اختل
(1) - فتاوى اللجنة الدائمة (1/ 220) ط/ أولي النهى.
(2) - أحمد (2/ 317 و350) (4/ 396و398) ومسلم برقم (153) وابن مردويه وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني كما في الدر المنثور (3/ 325) ، والحاكم (2/ 342) .