فهرس الكتاب
عليه وسلم فإنها ما كانت أدركت النبوة، وكانت على دين قومها، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يستغفر لها، فلم يُؤذَن له أن يستغفر لها لأنها كانت على دين الجاهلية، وهكذا أبوه قال عنه صلى الله عليه وسلم لما سأله سائل عن أبيه:"إن أبي وأباك في النار"، وأبوه صلى الله عليه وسلم مات في الجاهلية على دين قومه، فصار حكمه حكم الكفار، لكن من لم تبلغه الدعوة في الدنيا، ومات على جهل بالحق فإنه يمتحن يوم القيامة في أصح أقوال أهل العلم، فإن نجح دخل الجنة، وإن عصى دخل النار.
وهكذا جميع أهل الفترات الذين لم تبلغهم الدعوة كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] .
أما من بلغه القرآن، أو بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يستجب فقد قامت عليه الحجة، كما قال الله عز وجل: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) [الأنعام: 19] .
وقال تعالى: (هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ) [إبراهيم: 52] .
فمن بلغه القرآن، وبلغه الإسلام، ثم لم يدخل فيه له حكم الكفرة، وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار"خرّجه مسلم في الصحيح. فجعل سماعه ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليه.
والحاصل أن من أظهر الكفر في ديار الإسلام حكمه حكم الكفرة، أما كونه يوم القيامة ينجو، أو لا ينجو فهذا إلى الله سبحانه وتعالى إن كان ممن لم تبلغه الدعوة، ولم يسمع ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يمتحن يوم القيامة، ويرسل إليه عنق من النار كما جاء في حديث الأسود بن سريع فيقال له ادخل، فإن دخلها كان عليه بردًا وسلامًا، وإن أبى التف عليه العنق وصار إلى النار، نسأل الله السلامة.
فالخلاصة: أن من لم تبلغه الدعوة كالذين في أطراف الدنيا، أو في أوقات الفترات، أو كان بلغته وهو مجنون ذاهب العقل، أو هرم لا يعقل فهؤلاء وأشباههم مثل أولاد المشركين الذين ماتوا وهم صغار، فإن أولاد المشركين الذين لم يبلغوا الحلم كلهم أمرهم إلى الله، فالله يعلم بما كانوا عاملين، كما أجاب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عنهم، ويظهر علمه فيهم