فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 402

فيتبين من كلام الشيخين عدم عذر الجاهل في المسائل الظاهرة؛ لأن هذه المسائل ظهرت أدلتها من الكتاب والسنة؛ فلا يجحدها إلا مكذّب، أما استثناؤهما لمن نشأ في بلاد بعيدة عن المسلمين فهذا لعدم بلوغ النص وعدم إمكانية التعلم، وهذه الحالة مستثناه باتفاق العلماء [1] .

23 -يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب موضحًا هذا التفريق:"ما ذكرتموه من كلام الشيخ"أي ابن تيمية"كل من جحد كذا وكذا وإنكم تسألون عن هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة أم لا؟ فهذا من العجب العجاب!، كيف تشكون في هذا وقد وضّحت لكم مرارًا أن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، أو الذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسائل خفية مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرّف، وأما أصول الدين التي وضّحها الله في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة. ولكن أصل الأشكال أنكم لم تفرّقوا بين قيام الحجة، وفهم الحجة فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان: 44] " [2] .

فانظر رحمك الله إلى ما قاله في معرض إيضاحه لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي فيه:"إنه لا يكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة"، فقد فرّق بين مسائل الشرك الأكبر الذي يُخرج عن ملة الإسلام، وبين المسائل الخفية، واعتبر أن من بلغة القرآن في المسائل الظاهرة، فقد قامت عليه الحجة القاطعة للعذر بخلاف المسائل الخفية كمسائل الصفات وغيرها من المسائل التي تندرج تحت المسائل الخفية فهذه يعذر صاحبها بالجهل.

وقد فهم عبارة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حفيده العالم الجليل أحد أئمة الدعوة النجدية، وهو الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ النجدي الحنبلي فيقول موضحًا لهذا التفريق:

24 -قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن النجدي:"ولا نقول إلا كما قال مشائخنا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب .. وحفيده في رده على العراقي وكذلك هو قول أئمة الدين قبلهم، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن المرجع في مسائل أصول الدين إلى الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وما عليه الصحابة، وليس المرجع في ذلك إلى عالم بعينه، فمن تقرر عنده هذا الأصل تقررًا لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه، هان عليه ما قد يراه من الكلام المتشابه في بعض مصنفات الأئمة؛ إذ لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ومسألتنا هذه في عبادة الله وحده لا شريك له، وأن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة -هي أصل الأصول وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وأقام الحجة على الناس بالرسول والقرآن؛ وهكذا تجد الجواب في مسائل الدين في هذا الأصل عند تكفير من أشرك بالله، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل -ولا يذكرون التعريف في مسائل الأصول؛ إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي يخفي دليلها على بعض المسلمين؛ كمسائل نازع بها بعض أهل البدع كالمرجئة، أو مسألة خفية كالصرف والعطف، وكيف يعرّفون عباد القبور وهم ليسوا بمسلمين؟" [3] .

25 -ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن مقررًا هذا التفريق في موضع آخر من كتبه -فيقول بعد أن نقل كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب المتقدم:"فتأمل كلام الشيخ -ونسأل الله أن يرزقك الفهم الصحيح، وأن يعافيك من التعصب!، وتأمل كلام الشيخ رحمه الله أن كل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، وإن لم يفهم ذلك، وجعله هذا هو السبب في غلط من غلط، وأن جعل التعريف في المسائل الخفية. ومن حكينا عنه (يقصد العراقي المردود عليه) جعل التعريف في أصل الدين! وهل بعد القرآن والرسول تعريف؟! ثم يقول (أي الشيخ عبد اللطيف في رده على العراقي) هذا اعتقادنا نحن ومشايخنا -نعوذ بالله من الحور بعد الكور [4] - وهذه المسألة كثيرة جدًا في مصنفات الشيخ محمد رحمه الله -في شرح التوحيد في مواضع منه- أن من تكلم بكلمة التوحيد، وصلى، وزكى، ولكن خالف ذلك بأفعاله وأقواله: من دعاء الصالحين والاستغاثة بهم، والذبح لهم؛ أنه شبيه باليهود والنصارى في تكلمهم بكلمة التوحيد ومخالفتها؛ فعلى هذا يلزم من قال بالتعريف للمشركين أن يقول بالتعريف لليهود والنصارى ولا يكفرهم إلا بعد التعريف؛ وهذا ظاهر بالاعتبار جدًا" [5] . وعبارة الشيخ سليمان التي أشار إليها الشيخ إسحاق نصها كما يلي:"وهذا أمر معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة والإجماع، وأما عباد القبور فلم يعرفوا معنى هذه الكلمة، ولا عرفوا الإلهية المنفية عن غير الله الثابتة له وحده لا شريك له".. إلى أن قال:"وعباد القبور"

(1) - راجع قاعدة استثناء حديث العهد بالإسلام ومن نشا ببادية بعيدة (ص294) من هذا الكتاب.

(2) - مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (7/ 159 - 160) قسم الرسائل الشخصية. ط جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض بتحقيق مجموعة من الأساتذة، والرسالة لبعض تلاميذه الذين في الدرعية وهم عيسى ابن قاسم وأحمد بن سويلم.

(3) - المجموعة المحمودية: (ص15 - 16) الرسالة الثانية للشيخ إسحاق. ط/ الرياض.

(4) - الحور بعد الكور: الرجوع بعد الإستقامة، والنقصان بعد الزيادة (لسان العرب) .

(5) - رسالة حكم تكفير المعين للشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ: (ص15 - 16) ط/ دار طيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت