فهرس الكتاب
غيرهم، وهي معلومة من الدين بالضرورة، كل من بلغته الرسالة وتصورها على ما هي عليه عرف أن هذا زبدتها وحاصلها، وسائر الأحكام تدور عليه [1] .
29 -ويقول في معرض حديثه عن أهل الأهواء:"وقد حكى شيخ الإسلام تكفير من قام به الكفر من أهل الأهواء، قال يعني"ابن تيمية"، واضطرب الناس في ذلك؛ فمنهم من يحكي عن مالك فيه قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد روايتين، وأبو الحسن الأشعري وأصحابه لهم فيه قولان، قال -أي شيخ الإسلام-: وحقيقة الأمر أن القول قد يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير قائله، ويقال من قال هذا فهو كافر، لكن الشخص المعين لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها"انتهى كلام شيخ الإسلام"قال الشيخ سليمان معلقًا:"وحيث كان الحال هكذا في الخوارج؛ قد اختلف الناس في تكفيرهم، والغلاة في علي لم يختلف أحد في تكفيرهم، وكذلك من سجد لغير الله، أو ذبح لغير الله، أو دعاه مع الله رغبًا أو رهبًا، كل هؤلاء اتفق السلف والخلف على كفرهم، كما ذكره أهل المذاهب الأربعة، ولا يمكن لأحد أن ينقل عنهم قولًا ثانيًا، وبهذا تعلم أن النزاع، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله في غير عباد القبور والمشركين فرضه وموضوعه في أهل البدع المخالفين للسنة والجماعة وهذا يُعْرف من كلام الشيخ، فإذا عرفت أن كلام الشيخ ابن تيمية في أهل الأهواء كالقدرية والخوارج والمرجئة ونحوهم- ما خلا غلاتهم- تبين لك أن عباد القبور والجهمية خارجون من هذه الأصناف. وأما كلامه في عدم تكفير المعين، فالمقصود به في مسائل مخصوصة قد يخفى دليلها على بعض الناس؛ كما في مسائل القدر والإرجاء؛ ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورًا كفرية من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرًا، ولا يحكم على قائله بالكفر؛ لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنفس النص، أو بدلالته فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها، ولذلك ذكر هذا الكلام على بدع أهل الأهواء، وقد نص على هذا فقال في تكفير أناس من الأعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة قال:"وهذا إذا كان في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة، فهذا لا يُتوقف في تكفير قائله"وبهذا تعلم غلط هذا العراقي، وكذبه على شيخ الإسلام وعلى الصحابة والتابعين في عدم تكفير غلاة القدرية، وغلاة المعتزلة، وغلاة المرجئة، وغلاة الجهمية والرافضة فإن الصادر من هؤلاء كان في مسائل ظاهرة جلية، وفيما يُعلَم بالضرورة من الدين، وأما من دخل عليه من أهل السنة بعض أقوال هؤلاء وخاض فيما خاضوا فيه من المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، أو من كان من أهل الأهواء من غير غلاتهم، بل من قلدهم، وحسّن الظن بأقوالهم من غير نظر ولا بحث -فهؤلاء الذين توقف السلف والأئمة في تكفيرهم؛ لاحتمال وجود مانع كالجهل وعدم العلم
(1) - الضياء الشارق في الرد على الماذق المارق: (ص29) ط/ المار.